بعد تداول معلومات عن التحضير لتشكيل لجنة خماسية تضم كلاً من باكستان ومصر والمملكة العربية السعودية وتركيا وإيران، وأن الاستعدادات جارية لعقد أول اجتماعاتها بعد توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، والتي يتصدر جدول أعمالها بحث المسار الإقليمي وعلاقات إيران بدول المنطقة ومعالجة الشوائب التي تعتري هذه العلاقات، يبرز التساؤل حول مدى دقة هذه المعلومات المتعلقة بتشكيل تلك اللجنة، وما إذا كانت العلاقات المتوترة الراهنة بين دول الخليج العربي وطهران، ولا سيما في ضوء ما تعرضت له هذه الدول من استهداف إيراني خلال الحرب مع الولايات المتحدة، تسمح فعلاً بتشكيل مثل هذه اللجنة على أرض الواقع، أم أن الحديث عنها يفتقر إلى الدقة.
وفي معرض تعليقه على هذه المعلومات المتداولة، أكد منسق "مجموعة العمل لأجل طرابلس"، الدكتور خلدون الشريف، أنه لم يسمع بوجود خماسية إقليمية تضم الدول الخمس، موضحاً أن ما توافر لديه من معلومات يتعلق بإطار رباعي يضم باكستان ومصر والمملكة العربية السعودية وتركيا.
وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن الهدف من هذا الإطار الرباعي لا يتمثل في إنشاء تحالف سياسي أو عسكري، بل في التوصل إلى تفاهم إقليمي يهدف إلى تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة بصورة عامة.
وأضاف أن هذا التلاقي الرباعي يهدف أيضاً إلى صياغة نوع من التوازن الإقليمي في مواجهة ما تعتبره هذه الدول تنامياً غير مسبوق في الدعم الأميركي لإسرائيل.
وأشار إلى أن هذه الدول تتبنى موقفاً رافضاً للانخراط في "الاتفاقات الإبراهيمية"، كما تتمسك بمقررات القمة العربية الإسلامية التي انعقدت في الرياض، والتي أكدت أنه لا مجال لأي تفاهم أو تطبيع مع إسرائيل ما لم تلتزم الأخيرة بمسار واضح وغير قابل للتراجع يقود إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة تكون القدس الشرقية عاصمة لها.
وفي ما يتعلق بإمكانية انضمام إيران إلى مثل هذا الإطار، لفت الشريف إلى أن الحديث عن خماسية إقليمية يبدو سابقاً لأوانه، ولا سيما في ظل استمرار أزمة الثقة بين إيران والدول العربية، وخصوصاً دول الخليج العربي. واستشهد في هذا السياق بما أعلنه وزير خارجية المملكة العربية السعودية خلال مشاركته في أحد المنتديات الأوروبية، حيث أكد أن مستوى الثقة مع إيران لا يزال غير كافٍ، وأن هناك حاجة إلى خطوات كبيرة لإعادة بناء هذه الثقة قبل الانتقال إلى أي مرحلة جديدة من التفاهمات الإقليمية.
وأضاف أن أي بحث في إشراك إيران ضمن تفاهمات إقليمية موسعة يفترض أولاً إعادة صياغة العلاقات الإيرانية - العربية، والعلاقات الإيرانية - الخليجية على وجه الخصوص، وبعد ذلك يمكن النظر في إمكانية توسيع الإطار الرباعي ليشمل أطرافاً أخرى.
كما أشار إلى أن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان كان قد أبدى انفتاحاً على فكرة مشاركة إسرائيل في ترتيبات إقليمية مستقبلية، شرط التزامها بمسار واضح يؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لأي تفاهم مستدام في المنطقة.
ورداً على سؤال بشأن ما إذا كان التفاهم الأميركي - الإيراني المحتمل قد يفرض إشراك طهران في هذه التفاهمات الإقليمية، شدد الشريف على أن الأمر يتطلب معالجة ملفات معقدة وعالقة بين إيران ودول الخليج العربي، خصوصاً بعد استهدافها تلك الدول، عبر تفاهمات ثنائية أولاً، قبل الانتقال إلى البحث في القضايا الإقليمية الأوسع، مؤكداً أن الحديث عن انضمام إيران إلى أي خماسية إقليمية ما زال مبكراً جداً، معتبراً أن المعلومات المتداولة حول هذا الموضوع تفتقر إلى الدقة.
وفي الشأن اللبناني، نفى الشريف وجود فصل كامل بين الورقة اللبنانية والملف الإيراني، إلا أنه رأى في الوقت نفسه أن على المفاوض اللبناني الاستفادة من المعطيات الجديدة التي أفرزتها التطورات الأخيرة، موضحاً أن التفاوض لا ينبغي أن يقتصر على مسألة وقف إطلاق النار، بل يجب أن يشمل ملفات أساسية تتعلق بالمصلحة اللبنانية، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي، وعودة الأسرى والمعتقلين، وإعادة الإعمار، ووقف الاعتداءات، وترسيم الحدود، وسائر القضايا العالقة.
واعتبر أن الموقع التفاوضي اللبناني أصبح أفضل مما كان عليه قبل وقف إطلاق النار، موضحاً أن العقبة الأساسية في السابق كانت تمسك كل طرف بشروطه المسبقة، حيث كان الجانب اللبناني يطالب بوقف إطلاق النار قبل بدء التفاوض، فيما كانت إسرائيل ترفض ذلك. أما اليوم، ومع وجود التزام أميركي بمتابعة تنفيذ وقف إطلاق النار، فإن الفرصة متاحة أمام لبنان لتحسين شروطه التفاوضية وتحقيق مكاسب إضافية تخدم مصالحه الوطنية.
ختاماً، يبدو أن المطلوب اليوم من إيران، في أعقاب وقف إطلاق النار وتوقيع مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، هو إعادة ترميم أواصر الثقة مع دول الخليج العربي، ولا سيما بعد ما شهدته العلاقات بين الجانبين من اهتزازات كبيرة نتيجة الاستهدافات العسكرية التي طالت بعض هذه الدول. وفي هذا السياق، يتعين على طهران أن تثبت عملياً نيتها في تبني نهج حسن الجوار مع دول الخليج، بما يفتح الطريق أمام تعزيز الاستقرار الإقليمي، ويسهم في إرساء مناخ من الطمأنينة والسلام في المنطقة ككل.