بعدما أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خلال مشاركته في قمة مجموعة السبع، عزمه استقبال رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في واشنطن خلال أسبوع أو أسبوعين، أفادت معلومات متداولة بأن الزيارة لا تزال مطروحة، إلا أن موعدها لم يُحدَّد بعد، كما أن الرئيس عون لم يتلقَّ حتى الآن دعوة رسمية عبر القنوات الدبلوماسية المعتمدة.
ويثير هذا التطور جملة من التساؤلات حول الأهداف التي يسعى ترامب إلى تحقيقها من خلال توجيه الدعوة في هذا التوقيت بالذات، ولا سيما في أعقاب التفاهم الذي أُبرم بين الولايات المتحدة وإيران. وتزداد أهمية هذه التساؤلات في ظل المخاوف التي يبديها مراقبون في لبنان من أن يبقى الملف اللبناني تحت تأثير النفوذ الإيراني.
فهل تشكّل الزيارة المرتقبة رسالة أميركية واضحة تؤكد أن المسار اللبناني منفصل عن مسار التفاهم بين واشنطن وطهران، وأن لبنان لا يزال يحظى باهتمام خاص ومستقل ضمن حسابات الإدارة الأميركية؟
وفي هذا الإطار، رأى الكاتب والمحلل السياسي بشارة شربل أن الزيارة المرتقبة للرئيس جوزاف عون إلى واشنطن تشكّل مؤشرًا واضحًا إلى فصل المسار اللبناني عن المسار المرتبط بالتفاهم الذي جرى بين الولايات المتحدة وإيران.
وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن الخطوات التي تحققت في إطار التفاهم الإيراني ـ الأميركي لا تكفي لكي يستنتج لبنان أن الملف اللبناني بات يحظى بالأولوية الكاملة لدى الإدارة الأميركية.
وأكد شربل أن الاهتمام الأميركي الحقيقي بلبنان يتمثل في العمل على استعادة سيادة الدولة اللبنانية بشكل كامل، ونزع سلاح حزب الله، وتعزيز قدرات الجيش اللبناني بما يسمح له بالانتشار على كامل الأراضي اللبنانية وسدّ الثغرات الأمنية القائمة.
وأضاف أن المرحلة المقبلة تتطلب نمطًا مختلفًا من التواصل، يقوم على الاتصال المباشر بين واشنطن وبيروت، في ظل الانطباع السائد داخل لبنان بأن الولايات المتحدة انحازت عمليًا إلى الجانب الإيراني، أو أنها رضخت لشروطه خلال المرحلة السابقة، مشيرًا إلى أن دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للرئيس جوزاف عون تأتي في إطار محاولة إحداث توازن في المشهد السياسي القائم، وتحمل في مضمونها تأكيدًا إضافيًا على أن المسار اللبناني منفصل عن أي تفاهمات أو ترتيبات إقليمية أخرى.
وفي معرض حديثه عن كيفية إدارة الولايات المتحدة لملفين متوازيين في آن واحد، أوضح شربل أن واشنطن مطالبة، من جهة، بالالتزام بمندرجات التفاهم الذي أبرمته مع إيران، ومن جهة أخرى، بإعادة التأكيد على دعمها لقيام دولة لبنانية قوية يتولى فيها الجيش اللبناني مسؤولية بسط السلطة والسيادة على كامل الأراضي اللبنانية، بما في ذلك معالجة مسألة السلاح غير الشرعي.
واستبعد شربل أن تكون الورقة اللبنانية قد أصبحت بالكامل في يد إيران، رغم بعض التصريحات المرتفعة السقف الصادرة عن الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، وشخصيات أخرى تدور في فلك ما يُعرف بمحور الممانعة، معتبرًا أن هذا المحور بالغ في تقدير حجم الانتصار الذي حققه، ومشيرًا إلى أن التفاهم القائم لا يمكن اعتباره حالة ربح مطلق لطرف وخسارة مطلقة لطرف آخر.
وأوضح أن إيران حققت إنجازًا يتمثل في تثبيت حضورها وإثبات قدرتها على الصمود وعدم سقوط النظام، في حين حققت الولايات المتحدة بدورها مكاسب أساسية تمثلت في إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية الرئيسية والحصول على تعهدات مرتبطة بالملف النووي الإيراني. ورأى أن مذكرة التفاهم القائمة منحت كل طرف ما يكفي ليعلن أنه لم يتعرض للهزيمة.
وفي ما يتعلق بالمواقف الإسرائيلية الأخيرة التي تؤكد الفصل بين المسارين اللبناني والإيراني، إضافة إلى تمسك إسرائيل بالبقاء في المناطق التي تحتلها، قال شربل إن إسرائيل ليست طرفًا موقعًا على مذكرة التفاهم، وإن دورها في هذا الإطار يبقى غير مباشر، ويخضع بدرجة كبيرة لطبيعة الضغوط الأميركية التي يمكن أن تمارس عليها.
وأضاف أن إسرائيل تحتفظ دائمًا بهامش من حرية الحركة، حتى عندما لا تكون الإدارة الأميركية راضية بالكامل عن بعض خطواتها، مشيرًا إلى أن قدرة الولايات المتحدة على الضغط على إسرائيل ليست مطلقة، كما أن إسرائيل تمتلك بدورها قدرة على استخدام القوة ضمن حدود معينة من دون أن تتعرض لضغوط أميركية حاسمة.
ولفت إلى أن مسألة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الجنوبية المحتلة لم ترد بصورة واضحة وصريحة في التفاهم الأميركي ـ الإيراني، الأمر الذي يجعل هذا الملف مفتوحًا على التطورات الميدانية وموازين القوى السياسية والعسكرية، من دون وجود نص حاسم أو التزام واضح بشأنه.
وردًا على سؤال حول ما إذا كان التباين الظاهر بين رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، والرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قد يكون خلافًا شكليًا فقط، أكد شربل أنه لا يعتقد ذلك، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن أي خلافات بين الطرفين لا تعني انهيار التحالف الاستراتيجي الراسخ بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
وأوضح أن العلاقات بين البلدين تقوم على أسس عميقة ومصالح مشتركة طويلة الأمد، وأن الخلافات التكتيكية التي قد تظهر بين الحين والآخر لا تلغي التفاهم حول الأهداف الأساسية، مضيفًا أن نتنياهو نفسه طلب من وزرائه عدم توجيه انتقادات إلى ترامب، داعيًا إلى التعامل مع المسألة بالصبر والحكمة، وهو ما يعكس إدراكًا لدى الجانبين لوجود قنوات دائمة للتفاهم والتنسيق.
وأكد شربل أن التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي يبقى تحالفًا استراتيجيًا ثابتًا، وأن أي تباينات ظرفية بين الطرفين سرعان ما تجد طريقها إلى المعالجة، في ظل العلاقات التاريخية المتينة التي تربط واشنطن وتل أبيب.
وفي انتظار اتضاح موعد الزيارة المرتقبة للرئيس عون إلى الولايات المتحدة وما ستحمله من رسائل ومواقف، يبقى الرهان على ما إذا كانت واشنطن ستترجم إشاراتها السياسية إلى خطوات عملية تؤكد دعمها للدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، وتكرّس فعليًا فصل المسار اللبناني عن تفاهمها مع طهران. وحتى ذلك الحين، ستظل هذه الزيارة محور ترقب داخلي وخارجي لما قد تحمله من دلالات على مستقبل العلاقة بين بيروت وواشنطن وموقع لبنان في خريطة التوازنات الجديدة في المنطقة.