June 18, 2026   Beirut  °C
سياسة

طوني بولس: تل أبيب لن تعود إلى معادلات ما قبل الحرب.. وانسحابها الكامل مشروط بضمانات لبنانية

يتصدر مستقبل الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان واجهة النقاش السياسي، في ظل تزايد الحديث عن إمكان التوصل إلى تفاهمات جديدة بين الولايات المتحدة وإيران. ففي وقت يراهن فيه حزب الله، وفق تقارير دولية، على أن يفتح المسار النووي الإيراني الباب أمام انسحاب إسرائيلي من نحو 600 كيلومتر مربع لا تزال تسيطر عليها إسرائيل في الجنوب اللبناني، تتمسك تل أبيب بمواقف واضحة تؤكد أن قرارها في هذا الملف تحكمه اعتبارات أمنية صارمة تتجاوز أي تفاهمات إقليمية أو دولية، وهو ما يعكسه أيضا موقف وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش ومسؤولين إسرائيليين آخرين.

وفي خضم هذا المشهد الإقليمي المتداخل، تتقاطع الحسابات السياسية والعسكرية عند خطوط توتر مفتوحة، بينما يبقى الجنوب اللبناني أحد أبرز ساحات اختبار التوازنات. وبين رهانات الأطراف المختلفة وتباين مقارباتها، يبقى السؤال مطروحا حول ما إذا كانت المفاوضات الأميركية – الإيرانية قادرة على إحداث خرق فعلي في هذا الجمود، أم أن الوقائع الميدانية ستبقى العامل الحاسم في رسم ملامح المرحلة المقبلة.


وفي هذا السياق، رأى الصحافي طوني بولس أن مقاربة الملف اللبناني يجب أن تنطلق من الفصل بين التفاهم أو الاتفاق الأميركي – الإيراني من جهة، والعقيدة الأمنية الإسرائيلية من جهة أخرى، معتبرا أن إسرائيل تنظر إلى أي تفاهم بين واشنطن وطهران باعتباره شأنا يخص الطرفين، لكنه لا يلزمها عندما يتعلق الأمر بما تصنفه تهديدا مباشرا لأمنها القومي، وفي مقدمته ملف حزب الله.


وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن إسرائيل تخوض منذ نحو ثلاث سنوات حربا مفتوحة على الجبهة الشمالية بهدف إزالة ما تعتبره الخطر الإيراني عن حدودها بصورة طويلة الأمد، ولذلك من الصعب، برأيه، أن تقبل العودة إلى معادلات ما قبل الحرب نتيجة تسويات إقليمية أو تفاهمات دولية، معتبرا أن تجربة العام 2024 شكلت اختبارا أساسيا، إذ انسحبت إسرائيل يومها على قاعدة أن الدولة اللبنانية ستفرض سيطرتها على كامل الأراضي وتمنع أي تهديد لأمنها، إلا أن هذا الأمر، وفق القراءة الإسرائيلية، لم يتحقق. ومن هنا، قال: تعتبر إسرائيل أن عجز الدولة اللبنانية عن تنفيذ هذا الالتزام أعطاها ذريعة للقول إن عليها أن تتولى بنفسها حماية أمنها القومي.


ولفت بولس إلى أن إسرائيل اليوم متمركزة في مناطق واسعة من الجنوب، وتسيطر على تلال استراتيجية، وتعمل بنفسها على تفكيك مخازن السلاح والبنى العسكرية التابعة لحزب الله، وهي، بحسب رأيه، ليست مستعدة لتسليم هذه المهمة لأي طرف آخر قبل الحصول على ضمانات حقيقية وفعالة من الدولة اللبنانية.


وفي ما يتعلق بالعلاقة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، رأى أنها قد تشهد تباينات مرتبطة بأسلوب إدارة الملفات الإقليمية، لا سيما الملف الإيراني، لكنها لا ترقى إلى مستوى القطيعة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب، معتبرا أن الولايات المتحدة قد تدفع نحو خيارات سياسية أو تفاهمات إقليمية، لكن إسرائيل ستحتفظ بهامش واسع من القرار عندما يتعلق الأمر بأمنها القومي.


وأكد بولس أنه حتى في حال مضت إدارة ترامب نحو تفاهمات أوسع مع إيران، فلن تنظر إسرائيل إلى ذلك على أنه سبب لوقف عملياتها ضد حزب الله، بل ستتمسك بعنصرين أساسيين: حرية الحركة العسكرية والجوية التي تخولها استهداف أي نشاط تعتبره تهديدا، سواء في الجنوب أو في أي منطقة أخرى، وعدم الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية قبل الوصول إلى ترتيبات نهائية واضحة.


وشدد على أن هذه الترتيبات، من وجهة النظر الإسرائيلية، يجب أن تشمل وجودا فعليا للدولة اللبنانية على الحدود، وضمانات تمنع تكرار تجارب الماضي، حين كانت الحدود الجنوبية عمليا تحت سيطرة منظمات فلسطينية أو مجموعات مرتبطة بمحاور إقليمية، معتبرا أن إسرائيل ترى في عودة الحدود إلى سلطة الدولة اللبنانية للمرة الأولى منذ عقود مصلحة استراتيجية لها، وأن أي انسحاب قبل التأكد من ذلك سيعني، بالنسبة إليها، إعادة إنتاج الظروف التي سمحت باستخدام الأراضي اللبنانية منصة لشن هجمات ضدها. لذلك، فإن أي اتفاق أميركي – إيراني قد يؤثر على المناخ السياسي العام، لكنه لن يغير جوهر العقيدة الأمنية الإسرائيلية التي تربط الانسحاب الكامل من لبنان، وإنهاء حرية الحركة العسكرية، بوجود دولة لبنانية قادرة فعليا على الإمساك بالأرض والحدود، وبالوصول في نهاية المطاف إلى اتفاق سلام واضح بين دولتين.


في المحصلة، تبدو الرهانات على أن ينعكس أي اتفاق أميركي – إيراني سريعا على واقع جنوب لبنان محدودة التأثير أمام القراءة الإسرائيلية للملف. فتل أبيب تنظر إلى وجودها العسكري وحريتها في الحركة الميدانية بوصفهما جزءا من معادلة أمنية ثابتة، لا تخضع بسهولة لتفاهمات إقليمية أو تسويات سياسية.


وعليه، فإن أي تحول في مسار العلاقات بين واشنطن وطهران قد يساهم في إعادة ترتيب المناخ السياسي العام في المنطقة، لكنه لا يبدو كافيا، وفق المقاربة الإسرائيلية الحالية، لدفع انسحاب كامل من جنوب لبنان، ما لم تقترن أي تسوية بضمانات أمنية ميدانية واضحة وملزمة تضمن سيطرة الدولة اللبنانية على الحدود وتمنع عودة التهديدات التي تعتبرها إسرائيل سببا مباشرا لتدخلها العسكري.