بعد التفاهم الأميركي الإيراني الذي أفضى إلى وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، تتجه الأنظار إلى الدور الذي سيضطلع به رئيس مجلس النواب نبيه بري في المرحلة المقبلة، لا سيما في ما يتعلق بالعمل على تحقيق المطالب اللبنانية، وفي مقدمها انسحاب إسرائيل من المناطق المحتلة في جنوب لبنان، إضافة إلى عودة سكان القرى الجنوبية وإطلاق مسار إعادة الإعمار.
كما يبرز السؤال حول موقف بري الفعلي من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية التي من المتوقع أن تستكمل في 22 و24 من الشهر الحالي، بغض النظر عن نتائج التفاهم بين واشنطن وطهران.
فأي دور سيلعبه رئيس المجلس في الفترة المقبلة؟ وما هو موقفه من طرح نزع سلاح حزب الله بشكل جدي؟ وما هي جهوده في منع الفتنة والحفاظ على الاستقرار الداخلي؟
عن الدور المنتظر لبري، رأى الكاتب السياسي والصحافي غسان جواد أن الرئيس نبيه بري بصفته أحد أركان الدولة اللبنانية وأحد أبرز القيادات السياسية الشيعية في البلاد، سيواصل الاضطلاع بدور محوري في المرحلة المقبلة، انطلاقا من موقعه كعامل توازن داخل السلطة السياسية، وقدرته على الجمع بين الأطراف اللبنانية المختلفة، والعمل، في الوقت نفسه، على مقاربة ملفات حساسة تتصل بالانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي لا تزال تحت الاحتلال، وبتمكين الجيش اللبناني من الانتشار جنوب نهر الليطاني والمناطق الحدودية، مشيرا إلى أن بري سيكون أيضا من بين الأبرز في ملف إعادة الإعمار، باعتباره جزءا أساسيا من أي تسوية لاحقة. ولفت إلى أن دوره لا يقتصر على الداخل اللبناني، بل يمتد ليكون جسر تواصل بين مختلف الأطراف اللبنانية والإقليمية والدولية، سواء مع الدول العربية أو مع إيران، حيث لم تنقطع علاقته بطهران، وفي الوقت نفسه حافظ على علاقات متوازنة مع عدد من العواصم العربية مثل السعودية وقطر وغيرهما.
وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن هذا الموقع يمنح بري قدرة على الاستمرار في لعب دور تهدئة ومنع انزلاق الوضع الداخلي نحو صراع داخلي، وهو الدور الذي حاول تثبيته خلال فترة الحرب عبر ضبط إيقاع التوترات الداخلية، مشيرا إلى وجود تنسيق واضح بينه وبين حزب الله. واعتبر أن هذا التنسيق يعكس عدم وجود تباعد فعلي في الموقف السياسي بين الطرفين في القضايا الأساسية.
وفي هذا السياق، لفت إلى أن ما يعرف بالثنائي حركة أمل وحزب الله لا يتبنى خطاب نزع سلاح حزب الله في المرحلة الراهنة، معتبرا أن أي نقاش في هذا الملف لا يمكن فصله عن استمرار الاحتلال الإسرائيلي، إذ لا يمكن، بحسب هذا الطرح، البحث في موضوع السلاح قبل تحقيق الانسحاب الكامل ووقف الاعتداءات.
وأوضح جواد أن المقاربة المطروحة لاحقا قد تتمثل في الدخول إلى مرحلة جديدة بعد انسحاب إسرائيل وإعادة الإعمار، حيث يمكن عندها فتح نقاش داخلي لبناني حول استراتيجية أمن وطني، تشارك فيها مختلف القوى السياسية والدولة، بهدف صياغة تصور دفاعي شامل يستفيد من تجارب الحزب ويحدد طبيعة التهديدات وكيفية مواجهتها، مؤكدا أن الرئيس بري يمكن أن يلعب دورا محوريا في هذا المسار، سواء من خلال الدفع نحو صياغة أفكار توافقية أو عبر المساهمة في بلورة ترتيبات سياسية وأمنية تمنع الانزلاق إلى أي فتنة داخلية، وتخفف من تداعيات الضربات على لبنان، بدل ترك البلاد في حالة فراغ أو توتر دائم بعد انتهاء العمليات العسكرية.
وعن المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية القائمة في واشنطن وما يرافقها من ضغوط دولية وإقليمية لنزع سلاح الحزب، أشار إلى أن الرئيس بري يرفض مبدأ المفاوضات المباشرة، ويميل إلى اعتماد مسارات غير مباشرة، معتبرا أن المسار المباشر في واشنطن لا يخدم لبنان، بل قد يتحول إلى منصة لفرض شروط سياسية تعكس الوقائع الميدانية التي فرضتها إسرائيل.
وقال جواد المفاوضات المباشرة، وفق هذا التصور، لم تعد ذات جدوى، في ظل وجود مسار بديل أكثر فعالية، يمكن البناء عليه عبر تنسيق داخلي لبناني شامل، وربطه بمسار جنيف في 19 من الشهر الحالي، بما يتيح توحيد الموقف اللبناني حول ثوابت أساسية.
وتقوم هذه الثوابت، بحسب ما أورده جواد، على وقف الضربات بشكل كامل، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة، وإعادة الأسرى، وعودة النازحين والمهجرين، إضافة إلى إطلاق مسار إعادة الإعمار، على أن يُنتقل لاحقا إلى نقاش داخلي حول استراتيجية الأمن الوطني.
وأشار أيضا إلى وجود قوى لبنانية تحتفظ بقنوات تواصل جيدة مع إيران من جهة، فيما ترتبط قوى أخرى بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة وعدد من الدول العربية من جهة أخرى، معتبرا أن هذا التنوع يمكن استثماره لتحقيق مكاسب وطنية إذا ما وُظف ضمن رؤية لبنانية موحدة، بدل أن يتحول إلى عامل انقسام داخلي.
وفي ما يتعلق بالحديث المتجدد عن الدعوات لإسقاط الحكومة، قال جواد إن الرئيس بري أعلن موقفا واضحا في هذا الإطار، مشددا على أن الحكومة القائمة ليست موضع بحث في المرحلة الراهنة، وأن أي تغيير حكومي يجب أن يأتي في سياق دستوري ومؤسساتي، وليس عبر الشارع.
ورأى أن بري لا يؤيد اللجوء إلى الشارع في هذه المرحلة، خصوصا في ظل الظروف الحساسة التي يمر بها لبنان، وبعد عودة قسم من النازحين ومحاولة استعادة الحياة الطبيعية، معتبرا أن أي تحرك شعبي غير منضبط قد يفتح الباب أمام فوضى داخلية لا يمكن السيطرة عليها.
وأشار جواد إلى أن أي نقاش حول تغيير الحكومة يبقى مؤجلا إلى ما بعد الترتيبات السياسية والأمنية المقبلة، وفي حال عدم حصول تغيير في سياسات الأداء الحكومي، على أن يبقى المسار الديمقراطي والمؤسساتي هو الإطار الوحيد لأي تعديل سياسي في البلاد.
ويبقى انتظار ما ستؤول إليه الأمور بعد توقيع التفاهم الأميركي - الإيراني المرتقب الجمعة المقبلة، إذ من شأن هذا التطور أن يوضح بصورة أكبر الاتجاهات التي سيسلكها الوضع في لبنان عموما، وفي جنوبه خصوصا. وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري للرئيس نبيه بري في الحؤول دون انزلاق الساحة اللبنانية إلى أي شكل من أشكال الصراع أو التوتر الداخلي، لا سيما في ظل الانقسام السياسي الحاد الذي خلفته الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، وما نتج عنها من تداعيات سياسية وأمنية لا تزال تلقي بظلالها على المشهد اللبناني.