في ميزان الربح والخسارة، إلى أي طرف تميل الكفة بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وقبيل التوقيع المرتقب على مذكرة التفاهم بين البلدين؟ فبينما يسارع كل طرف إلى إعلان انتصاره السياسي والعسكري، لا تزال الصورة ضبابية، بانتظار الكشف عن بنود الاتفاق وتحديد ما إذا كان سيصمد أمام الاختبارات المقبلة أم سيتحول إلى هدنة موقتة تسبق جولة جديدة من التصعيد.
في هذا السياق، يبرز لبنان كأحد أبرز المتأثرين بالتفاهم المرتقب، في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية ورفض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الانسحاب من المواقع التي يحتلها الجيش الإسرائيلي في الجنوب. كما تثير تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول احتمال إشراك سوريا في ملف نزع سلاح حزب الله تساؤلات حول الدور الذي قد يطلب من الرئيس السوري أحمد الشرع أداؤه في المرحلة المقبلة.
وفي قراءة للتطورات الإقليمية بعد الإعلان عن مذكرة التفاهم، رأت الصحافية والمحللة السياسية سلمى الحاج أن ما حصل في المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل لا يمكن اعتباره انتصارا لطرف على حساب آخر، بل هو مرحلة اختبار لقدرات كل الأطراف العسكرية والسياسية والاستراتيجية، حيث عمل كل طرف على قياس حدود قوته وإمكاناته الفعلية، مشيرة إلى أن الأهداف التي دخل بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب المواجهة، وفي مقدمتها تغيير النظام في إيران، وإنهاء البرنامج النووي، ونزع القدرات الباليستية، لم يتحقق أي منها حتى الآن. وأكدت أن إيران ليست دولة هامشية أو مصطنعة يمكن إخضاعها بسهولة، بل دولة ذات عمق تاريخي وحضاري شبيه بتركيا، ما يفرض التعامل معها وفق معادلات مختلفة.
ولفتت عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن الحرب أظهرت فشل الرهان على الداخل الإيراني، إذ إن المعارضة الداخلية توحدت خلف القيادة عند الشعور بوجود تهديد خارجي، وهو ما تكرر أيضا في إسرائيل حيث دعمت قوى معارضة حكومة بنيامين نتنياهو خلال المواجهة مع إيران تحت عنوان مواجهة خطر خارجي مشترك.
أما بشأن مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، فاعتبرت الحاج أنها مرحلة اختبار لا تزال غير مكتملة، وقد تحتاج إلى نحو 60 يوما لتبين ما إذا كانت ستنجح أو تفشل، مشيرة إلى عدم قدرة أي طرف، سواء الولايات المتحدة أو إيران أو إسرائيل، على تقديم ضمانات حقيقية بشأن نتائجها. كما كشفت أن مصادر غربية تعتبرها اتفاقا هشا بسبب استمرار الخلافات الجوهرية حول البرنامج النووي، والصواريخ الباليستية، ودور الحلفاء الإقليميين لإيران.
وقالت إن خيار تغيير النظام في إيران فقد زخمه، وإن البدائل المطروحة باتت تركز على أدوات ضغط داخلية، من بينها الورقة الكردية في غرب إيران التي طرحها الرئيس الأميركي. إلا أن هذا الخيار غير مرجح بسبب الحساسية التركية الشديدة تجاه أي تحرك كردي قد ينعكس على الداخل التركي، ما قد يدفع أنقرة للتدخل لمنع أي تصعيد من هذا النوع، محذرة من التفاؤل المفرط بأي تفاهم محتمل. واعتبرت أن أي تسوية كبرى بين واشنطن وطهران وتل أبيب قد تحصل على حساب المصالح العربية إذا لم تكن الدول العربية طرفا فاعلا فيها. ورأت أن المرحلة الحالية ليست نهاية الصراع بل فترة إعادة تموضع وكسب وقت، وقد تعود المواجهات لاحقا بشكل أكثر حدة.
كما أشارت الحاج إلى أن إدارة دونالد ترامب تسعى لتحقيق إنجازات سياسية واقتصادية داخلية، في ظل الضغوط الانتخابية والاقتصادية، بينما تستغل إيران الهدوء النسبي لإعادة بناء قدراتها، لافتا إلى أن أي اتفاق نهائي سيكون له بعدان: معلن موجه للرأي العام، وآخر غير معلن يتضمن التفاهمات الحقيقية خلف الكواليس، وهو ما يفسر التظاهرات الداخلية التي ظهرت في إيران عقب الحديث عن التفاهم.
وفي الشق الإيراني أيضا، أكدت أن طهران لن تتخلى عن ورقتين أساسيتين في استراتيجيتها، هما مضيق هرمز وشبكة حلفائها الإقليميين، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في مواجهة الضغوط، مشيرة إلى عودة التأكيد الإيراني على دورها المشترك مع سلطنة عمان في إدارة ملف المضيق.
أما في الملف السوري، فأوضحت الحاج أن الرئيس أحمد الشرع نفى وجود زيارة إلى واشنطن، على الرغم من ورود معلومات غير مؤكدة عن احتمال حدوثها، مشيرة إلى أن ملف لبنان لا يخضع لقرار سوري منفرد بل لتوازنات إقليمية ودولية. كما ذكرت أن فكرة استخدام جماعات مسلحة غير سورية موجودة داخل سوريا ضد حزب الله طرحت في بعض النقاشات، حيث ينظر إلى هذه المجموعات، التي تضم مقاتلين أجانب، كعبء يمكن التخلص منه عبر دفعه إلى مواجهة مباشرة مع الحزب، في ظل تصنيف الطرفين على لوائح الإرهاب الأميركية.
وأشارت إلى أن هذه الطروحات نوقشت في اجتماعات إقليمية ودولية، من بينها لقاءات في باكو ونابولي، بينما شدد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني على أن الأولوية هي لترتيب الوضع الداخلي قبل الانخراط في ملفات إقليمية، مؤكدة أن الرئيس الشرع لا يملك حرية قرار مطلقة، وأن تحركاته مرتبطة بأجندات أوسع، وأن تصنيفات الإرهاب باتت تخضع لتغيرات سياسية، كما حدث مع هيئة تحرير الشام. كما أشارت إلى أن ملف السويداء يستخدم كورقة ضغط على الإدارة السورية ضمن ملف مواجهة حزب الله.
ورأت الحاج أن الاستقرار في المنطقة يبقى رهنا بتفاهم إيراني - سعودي شامل، نظرا لدور البلدين في مختلف الساحات العربية، وأن غياب هذا التفاهم سيبقي المنطقة عرضة للتصعيد.
وبين مذكرة تفاهم لا تزال بنودها الحقيقية غامضة، وإصرار إسرائيلي على مواصلة الضغط العسكري في لبنان، وتمسك إيراني بأوراقه الاستراتيجية وفي مقدمتها الأذرع ومضيق هرمز، تبدو المنطقة أبعد ما تكون عن تسوية شاملة. فملفات البرنامج النووي والصواريخ الباليستية وحزب الله والدور السوري لم تحسم بعد، فيما تتقاطع المصالح الأميركية والإسرائيلية والإيرانية فوق ساحات مفتوحة على مزيد من التوتر. وعليه، فإن الحديث عن نهاية الصراع يبدو سابقا لأوانه، في وقت لا تزال فيه كل الأطراف تستعد للجولة التالية أكثر مما تستعد لسلام دائم.