بعد أشهر من التصعيد والتجاذب بين واشنطن وطهران، وسلسلة طويلة من المفاوضات التي شهدت تباينات واضحة حول أكثر من ملف، من البرنامج النووي إلى النفوذ الإيراني في المنطقة، برز ملف لبنان وسلاح حزب الله كواحد من أكثر الملفات حساسية على طاولات المفاوضات.
وعلى الرغم من تمسك إيران في مراحل سابقة بمواقفها حيال الحزب ودوره الإقليمي، جاء الإعلان في الساعات الأخيرة عن التوصل إلى تفاهم بين الجانبين الأميركي والإيراني ليفتح الباب أمام كثير من التساؤلات حول طبيعة التنازلات التي أُنجزت خلف الكواليس. فهل يشكل هذا الاتفاق مؤشرا إلى تبدل في مقاربة طهران لملف حزب الله؟ وهل يمكن أن تكون إيران قد وافقت على إعادة النظر بعلاقتها بالحزب مقابل الوصول إلى تفاهم نهائي مع الولايات المتحدة؟
انطلاقا من هذا الواقع، أكد الصحافي جورج شاهين أن ما سمي اتفاق سلام بين واشنطن وطهران لا يزال في مرحلة اختبارية، طالما أن الاتفاق النهائي رُبط بالتوقيع المرتقب في 19 حزيران المقبل، وبالمهلة المحددة 60 يوما للتوصل إلى تفاهم نهائي وشامل حول النقاط العالقة بين الدولتين، مشيرا إلى أن حديث عن خروج إسرائيل أو لبنان من إطار هذا الاتفاق يبقى في إطار التحليل السياسي، لأن ما تضمنه الاتفاق من إشارات إلى ما هو مطلوب من تل أبيب وبيروت واضح إلى حد بعيد.
وبيّن عَبرَ مِنصة "بالعربي" أنه قبل الحديث عن إمكان تخلي إيران عن حزب الله، لا بد من الإشارة إلى أن واشنطن، عندما اقترحت موعد "واشنطن 5" بمساريها الأمني والسياسي في 22 و23 و24 حزيران، كانت تنتظر ما ستفضي إليه المفاوضات الإيرانية – الأميركية. وقال إن الحديث عن فصل كامل بين طاولتي التفاوض لم يكن دقيقا، إذ إن طاولة واشنطن تحتاج إلى تفاهمات إيرانية - أميركية يمكن أن تسهل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية القائمة برعاية الولايات المتحدة.
وأوضح شاهين أن أي تفاهم يتعلق بوقف دعم إيران لأذرعها المسلحة في المنطقة، إلى جانب التفاهمات المرتبطة بالملف النووي والصواريخ ومضيق هرمز، سيشكل دعما كبيرا لطاولة واشنطن، مشيرا إلى أنه إذا صح الحديث عن التزام إيراني بقطع الصلات مع أذرعها في المنطقة، خصوصا في لبنان، فقد يساهم هذا الأمر في حل واحدة من أكبر العقد المطروحة على طاولة المفاوضات.
ولفت إلى أن معالجة ملف سلاح حزب الله، سواء من خلال استعادته من قبل إيران أو نقله إلى جهة أو مكان آخر، قد تجعل الكثير من البنود المطروحة حاليا أقل إلحاحا أو تنتفي الحاجة إليها.
وعن التزامن بين التصريحات الإيرانية التي تحدثت عن الرد على استهداف الضاحية الجنوبية وبين المسار السياسي المتجه نحو التفاهم، رأى شاهين أن المواقف الإيرانية التي رافقت الضربة الإسرائيلية الأخيرة حملت طابعا إعلاميا ودعائيا أكثر منه عمليا، معتبرا أن إسرائيل كانت تسعى من خلال الضربة إلى تعطيل المفاوضات، وهو ما كشف عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب عندما قال إن الاستهداف جاء قبل ساعات من موعد كان مقررا للتوصل إلى الاتفاق.
ولفت إلى أن إصرار ترامب على القول إن إيران لن ترد على الضربة وإن إسرائيل لن تذهب إلى مزيد من التصعيد أثبت أن الرئيس الأميركي لا يزال قادرا على التأثير في الطرفين الإيراني والإسرائيلي، مشددا على أن ترامب أجبر إيران على عدم الرد.
وفي ما يتعلق بانعكاسات الاتفاق على لبنان، رأى شاهين أن أي محاولة لربط مصير المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية مباشرة بالموقف الإيراني تبقى مرفوضة أميركيا وإسرائيليا، كما أنها مرفوضة لبنانيا. لكنه، في المقابل، رأى أنه لا يمكن تجاهل ما قد ينتج عن الاجتماع المرتقب في 19 حزيران، والذي بات يعرف بـ"سويسرا 1"، لا سيما وأنه يسبق بأيام قليلة انطلاق جولة المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية.
واعتبر أن أي قرار قد يصدر عن هذا الاجتماع بشأن تراجع إيران عن دعم أذرعها المسلحة أو إعادة تنظيم علاقتها بها سينعكس مباشرة على مسار المفاوضات، لأنه يلامس إحدى أكبر العقد المطروحة على طاولة واشنطن، لافتا إلى أن الترحيب الذي صدر عن رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري وسائر المسؤولين اللبنانيين بالاتفاق يعكس إدراكا لأهمية هذا التطور، خصوصا موقف بري الذي اختلف هذه المرة عن موقفه من تفاهمات سابقة لم يُبدِ حيالها الحماسة نفسها.
وقال شاهين إنه حتى لو جاء وقف إطلاق النار من طاولة باكستان، فهذا لا يعني أن إيران تفاوض عن لبنان، وهذا ما وافق عليه الرئيس بري وحزب الله مؤكدين على حق لبنان في إدارة مفاوضاته بنفسه، مضيفا إن نجاح الولايات المتحدة في منع تجدد المواجهة بين طهران وتل أبيب بعد غارة الضاحية يظهر قدرتها على دفع المفاوضات نحو خطوات أكثر إيجابية وإجبار إسرائيل على المضي بها. واعتبر أن أي تفاهم يصدر عن اجتماع 19 حزيران بشأن ملف سلاح حزب الله سيمنح المفاوضات زخما إضافيا كان منتظرا منذ فترة.
في المحصلة، يبقى الجميع في حالة ترقب إلى حين اتضاح صورة التفاهم الإيراني - الأميركي بشكل نهائي، فيما تتجه الأنظار الداخلية إلى مدى تأثير هذا التفاهم على لبنان، خصوصا وأن حزب الله يربط نفسه بشكل وثيق بإيران ضمن معادلة النفوذ الإقليمي، حتى وإن تخلت الأخيرة عنه.