June 16, 2026   Beirut  °C
سياسة

نوفل ضو: لبنان خسر جزءا من الزخم.. وقوى المحور تصور ما يحصل على أنه انتصار

بعد التأكيدات المتتالية، لا سيما من الجانب الأميركي، بأن الملف اللبناني منفصل بالكامل عن مسار المفاوضات الأميركية - الإيرانية، وبأن الجهود تتركز على الحد من النفوذ الإيراني في لبنان، فوجئ اللبنانيون بالتطورات التي شهدتها الساعات الأخيرة، وفي مقدمها ما نقل عن رئيس الوزراء الباكستاني بشأن شمول لبنان باتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران. وأثار هذا التطور تساؤلات واسعة لدى المراقبين حول ما إذا كانت الإدارة الأميركية قد أعطت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، موافقة على إعادة إدراج لبنان ضمن نطاق التأثير الإيراني.

ومع الإعلان عن التوصل إلى هذا الاتفاق، سادت أوساط مؤيدة لطهران أجواء ترحيب واسعة، باعتبار أن لبنان أدرج ضمن ترتيبات وقف إطلاق النار التي حصل التفاهم عليها بين واشنطن وطهران. كما بادر رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى توجيه الشكر لكل من الولايات المتحدة وإيران على ما اعتبره تضمين لبنان في هذا الاتفاق.

وفي خضم هذه التطورات، يبرز سؤال أساسي: هل قدم الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنازلا يتعلق بالوضع اللبناني من دون إشراك الدولة اللبنانية، ممثلة برئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، في تفاصيل التفاهمات المطروحة، لا سيما في ما يتعلق بالشق اللبناني؟ وما مدى صحة المعلومات المتداولة عن عدم إطلاع المسؤولين اللبنانيين على مندرجات الاتفاق؟ والأهم، هل سينعكس هذا المسار على مستقبل المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل التي تجرى برعاية أميركية في واشنطن؟


وفي معرض تعليقه على ما يتردد بشأن ارتباط لبنان بالمفاوضات الجارية حول الملف الإيراني، رأى الكاتب والصحافي نوفل ضو أن المشكلة الأساسية في مقاربة التطورات الإقليمية تكمن في غياب دولة فاعلة قادرة على شرح ما يحصل للبنانيين وتوضيح حقيقة المسارات السياسية والدبلوماسية القائمة، معتبرا أن كثرة التحليلات والتفسيرات المتناقضة تساهم في زيادة الالتباس حول موقع لبنان في المفاوضات والتفاهمات المطروحة.


وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن التصريحات الدولية الصادرة خلال الساعات الماضية، سواء من الجانب الأميركي أو من جهات دولية أخرى، لم تتضمن حتى الآن أي نص واضح أو معلن يشير إلى اتفاق خاص بلبنان أو إلى ترتيبات مباشرة تتعلق بالساحة اللبنانية، مشيرا إلى أن حُكي عنه يقتصر على الدعوات إلى وقف إطلاق النار على مختلف الجبهات، وإلى أن المفاوضات مع إيران تتناول ملفات محددة ومعروفة.


وأكد نوفل أن المعلومات المتوافرة حتى الآن تشير إلى أن النقاشات تتركز على قضايا تتعلق بمضيق هرمز، وحرية الملاحة، وفك الحصار، والملف النووي الإيراني، من دون أي حديث واضح عن الأذرع الإيرانية أو عن ترتيبات خاصة بلبنان. وقال إن أي استنتاجات تتجاوز ما هو معلن تبقى في إطار التكهنات، لافتا إلى أن النصوص الرسمية أو التصريحات الموثقة لم تتضمن ما يؤكد شمول لبنان بأي اتفاق جديد.


وفي معرض رده على الأجواء الاحتفالية التي سادت لدى بعض أوساط محور الممانعة عقب التطورات الأخيرة، شدد ضو على أن الوقائع يجب أن تستند إلى نصوص واضحة وتصريحات رسمية لا إلى الانطباعات السياسية أو الرغبات الذاتية، معتبرا أن الأمر الوحيد الذي تُداول بصورة مباشرة هو الحديث عن وقف إطلاق النار على مختلف الجبهات، فيما لم يصدر أي كلام عن انسحاب إسرائيلي، أو عن نزع سلاح حزب الله، أو عن إلغاء مسار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، أو عن أي ترتيبات أخرى من هذا النوع.


وقال إن قوى المحور تسعى إلى تصوير ما يحصل على أنه انتصار جديد، مشيرا إلى أن هذا الخطاب ليس جديدا، إذ سبق أن استخدم في محطات عدة سابقة، وأن هناك من يعتبر نفسه منتصرا في كل الظروف والأحداث، بغض النظر عن النتائج الفعلية على الأرض. وأكد أن إطلاق توصيفات من هذا النوع لا يغير من الوقائع السياسية والعسكرية القائمة.


ولفت ضو إلى أن الوضع اللبناني قبل نحو سنة ونصف الساعة كان مختلفا عما هو عليه اليوم، معتبرا أن الدولة اللبنانية خسرت جزءا من الزخم الذي كانت تمتلكه في تلك المرحلة. وشدد على أن النقاشات التي كانت تدور سابقا حول تطبيق القرار 1701، ومناطق شمال الليطاني وجنوبه، وترتيبات الحدود، كانت تحصل في ظل ظروف أفضل نسبيا مما هو قائم حاليا.

ورأى أن الأولوية الأميركية الراهنة تتركز بصورة أساسية على الملف النووي الإيراني، فيما تراجعت الملفات الأخرى إلى مراتب ثانوية. وقال إن هذا الواقع يفرض على لبنان التعامل مع معطيات جديدة تختلف عن تلك التي كانت سائدة في مراحل سابقة.


وفي تعليقه على التحية التي وجهها رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى كل من الولايات المتحدة وإيران، اعتبر ضو أن الأمر يندرج في إطار المواقف السياسية والإعلامية، ولا يحمل بالضرورة دلالات تتجاوز ذلك، لافتا إلى أن مختلف الأطراف تحاول إظهار نفسها في موقع الرابح بعد التطورات الأخيرة، إلا أن الوقائع الفعلية لم تتبلور بصورة نهائية بعد.


وعن الحديث المتداول بشأن عدم إبلاغ كل من رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام بأي اتفاق يتضمن لبنان، استغرب أساسا توصيف الأمر على أنه اتفاق يشمل لبنان، سائلا عن مضمون هذا الاتفاق المزعوم وعن النصوص التي تستند إليها هذه الاستنتاجات. وأكد أن ما صدر حتى الآن يقتصر على الحديث عن وقف إطلاق النار على مختلف الجبهات، من دون أي تفاصيل إضافية تتعلق بالساحة اللبنانية.


وأشار ضو إلى أن لبنان، بحسب البيانات الرسمية الصادرة خلال مراحل التفاوض المختلفة، ليس طرفا مباشرا في الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل، مذكرا بأن أحد البيانات الرسمية أشار بوضوح إلى أن لبنان وإسرائيل ليسا في حالة حرب شاملة، كما أن الدولة اللبنانية أعلنت مرارا أن هذه الحرب ليست حربها وأنها غير معنية بها بصورة مباشرة.


وقال إن أي وقف للتصعيد على الساحة اللبنانية سيكون مرتبطا بإنهاء المواجهة غير المباشرة بين إيران وإسرائيل، مؤكدا، في الوقت نفسه، أنه لا توجد حتى الآن معلومات رسمية أو مؤكدة تفيد بتبلغ الجانب اللبناني أي تفاصيل إضافية تتعلق بتفاهمات جديدة.


كما رأى ضو أن التوصل إلى أي اتفاق لا يعني بالضرورة تنفيذه على أرض الواقع، مستشهدا باتفاق غزة الذي جرى التوصل إليه سابقا بمشاركة إسرائيلية، إلا أن عددا من بنوده لا يزال موضع خلاف ولم ينفذ بالكامل حتى اليوم. وقال إن أي تفاهم جديد يبقى رهنا بمدى التزام الأطراف المعنية بتطبيقه عمليا.


وفي الشأن الإسرائيلي، رأى ضو أن الولايات المتحدة، على الرغم من حجم نفوذها الكبير، لا تستطيع دائما فرض كل ما تريده على إسرائيل، مشيرا إلى أن أي اتفاق أو تفاهم يحتاج في نهاية المطاف إلى موافقة إسرائيلية واضحة.


وقال إن متابعة النقاشات الداخلية في إسرائيل، سواء لدى الحكومة أو لدى معارضي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تظهر وجود إجماع واسع حول عدد من القضايا الأمنية والاستراتيجية، مؤكدا أن إسرائيل تواصل تحقيق تقدم ميدانيا على أكثر من جبهة، سواء في لبنان أو في غزة. وأشار إلى أن قراءة التطورات يجب أن تستند إلى الوقائع الميدانية والسياسية الفعلية لا إلى الشعارات أو الخطابات الاحتفالية، بانتظار اتضاح صورة الاتفاقات والتفاهمات التي يجري الحديث عنها بصورة كاملة ورسمية.


وفي انتظار اتضاح الصورة بصورة كاملة، تبقى معظم المعطيات المتداولة حتى الآن في إطار التصريحات والتسريبات السياسية، في ظل غياب أي نصوص رسمية أو وثائق معلنة تؤكد ما يحكى عن شمول لبنان بالاتفاق أو تحدد طبيعة الالتزامات المترتبة عليه، ما يجعل من المبكر الجزم بحقيقة ما يُتداول أو بنتائجه الفعلية على الساحة اللبنانية.