عاد الاهتمام السعودي بلبنان من أوسع أبوابه، بعد قرار المملكة رفع الحظر عن الصادرات اللبنانية، وهو قرار شكل متنفسا بالغ الأهمية للاقتصاد اللبناني.هذا الاهتمام، الذي دأبت المملكة على إيلائه للبنان منذ عقود، شهد تراجعا خلال الفترة الأخيرة بفعل مجموعة من العوامل السياسية والأمنية التي شهدها الداخل اللبناني، وانعكست سلبا على محيطه العربي وعلاقاته مع دول الخليج، لا سيما مع المملكة العربية السعودية.
ومع تبدل الظروف والمعطيات، تعود المملكة إلى قلب المشهد اللبناني. وما الزيارة التي قام بها موفدها الأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت، والتي أعقبت قرار رفع الحظر، ولقاؤه المطول مع الرؤساء الثلاثة، لا سيما مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، إلا تأكيدا على الحرص السعودي على بناء أفضل العلاقات مع لبنان السيد والمستقل والمستقر، الذي لا تحتكم شؤونه إلا إلى مؤسساته الشرعية السياسية والأمنية.
فما الأهمية التي تكتسبها زيارة الأمير بن فرحان إلى بيروت؟ وهل تشكل ثمرة رضى سعودي عن المواقف والقرارات الحازمة والحاسمة التي اتخذها رئيسا الجمهورية والحكومة؟ وما الدور الذي ستضطلع به المملكة في لبنان خلال المرحلة المقبلة؟
وفي هذا السياق، قدم نائب نقيب المحررين الكاتب والصحافي صلاح تقي الدين قراءة لهذه الزيارة وللأجواء التي رافقت لقاءاته مع المسؤولين اللبنانيين، مؤكدا أنها حملت في جوهرها رسالة واضحة تعكس دعم المملكة ورضاها عن الخطوات التي اتخذها العهد والحكومة اللبنانية خلال المرحلة الماضية، لا سيما الإجراءات التي أسهمت في الحد من عمليات تهريب المخدرات والممنوعات إلى دول الخليج العربي، خصوصا المملكة العربية السعودية.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن هذه الزيارة جاءت في إطار التهنئة بالنجاح الذي حققته الدولة اللبنانية في مكافحة شبكات التهريب، كما عكست استمرار الدعم السعودي للبنان ووقوف المملكة إلى جانبه في مختلف الظروف والتحديات.
وفي الشق السياسي، أشار تقي الدين إلى أن اللقاءات التي عقدت تناولت مجموعة من الملفات الأساسية التي تُجاول بها إعلاميا، موضحا أن النقطة الأولى تمثلت في تثبيت الموقف السعودي الداعم للخطوات التي يقوم بها العهد والحكومة، بما في ذلك القيام مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، مع التشديد، في الوقت نفسه، على عدم القبول بأي اتفاق سلام منفرد لا ينسجم مع المبادرة العربية للسلام التي أقرت في قمة بيروت في العام 2002 تحت عنوان "الأرض مقابل السلام" وقال إن الموقف السعودي يؤكد ضرورة أن يأتي أي اتفاق في إطار الحل العربي الشامل، لا أن يسبقه لبنان بصورة منفردة. أما النقطة الثانية، فتتعلق بدعم المملكة لاستمرار حكومة الرئيس نواف سلام في أداء مهامها خلال المرحلة الراهنة. ورأى أن المسؤولين السعوديين أبدوا ارتياحا كبيرا لأداء الحكومة الحالية، وشددوا على ضرورة استمرارها وعدم إسقاطها سواء عبر الشارع أو من خلال أي وسائل أخرى، باعتبار أن النهج الذي تعتمده يسهم في تعزيز الاستقرار الداخلي وتحقيق الإصلاحات المطلوبة.
وفي ما يتعلق بالنقطة الثالثة، أكد أن المملكة شددت على أهمية تطبيق اتفاق الطائف كاملا ومن دون أي تعديل أو تراجع عن أي من بنوده، نظرا إلى أن السعودية كانت الراعي الأساسي لهذا الاتفاق وأسهمت بصورة مباشرة في إنجازه وتنفيذه، وقد دفعت في سبيل ذلك جهودا سياسية ومالية كبيرة. لذلك فإنها تعتبر الحفاظ على الاتفاق وتطبيقه الكامل من الثوابت الأساسية في مقاربتها للشأن اللبناني.
وكشف تقي الدين أن اللقاءات تناولت أيضا ما طرحه رئيس مجلس النواب نبيه بري من ملاحظات واعتراضات تتعلق بما يعرف بإعلان واشنطن والاتفاق المرتبط بوقف إطلاق النار، والذي لم ينفذ بصورة كاملة حتى الآن، موضحا أن الرئيس بري شدد على ضرورة اعتماد مبدأ حسن النية، مطالبا الجانب الإسرائيلي بإظهار خطوات عملية تؤكد التزامه بالاتفاق، ومؤكدا في المقابل قدرته على ضمان التزام حزب الله ببنود وقف إطلاق النار وعدم القيام بأي إجراءات من شأنها تقويض الاتفاق.
وأشار تقي الدين إلى أن البحث شمل كذلك ملفات دعم الجيش اللبناني، والمساعدات التنموية، وبرامج إعادة الإعمار، إضافة إلى سبل تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، موضحا أن هذه الملفات حاضرة بقوة في النقاشات، إلا أن تنفيذها يبقى مرتبطا بالظروف والتوقيت المناسبين.
وفي سياق متصل، اعتبر أن قرار المملكة العربية السعودية رفع الحظر عن الواردات اللبنانية يعكس بوضوح مستوى الرضى السعودي عن الإجراءات التي اتخذتها الدولة اللبنانية لمكافحة تهريب الممنوعات، لا سيما مادة الكبتاغون التي كانت تهرب في السابق إلى دول الخليج، موضحا أن عمليات تهريب الكبتاغون التي كانت تحصل خلال السنوات الماضية حققت أرباحا مالية ضخمة لكل من النظام السوري السابق وحزب الله، لكنها ألحقت أضرارا كبيرة بمجتمعات الخليج العربي.
وقال تقي الدين إن الإجراءات الأمنية التي اتخذتها وزارة الداخلية اللبنانية، بالتنسيق مع السلطات السورية، أسهمت بصورة كبيرة في ضبط المعابر وإقفال عدد من منافذ التهريب، الأمر الذي أدى إلى وقف تدفق الممنوعات إلى المملكة، فكان القرار السعودي بإعادة فتح باب الاستيراد للبضائع اللبنانية.
وفي ما يتعلق بملف سلاح حزب الله، أكد أن هذا الموضوع كان حاضرا في النقاشات، مشيرا إلى وجود تفهم سعودي واسع لضرورة عدم الذهاب إلى مواجهة مباشرة بين الجيش اللبناني وحزب الله من أجل حصر السلاح بيد الدولة وتنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة.
وقال تقي الدين إن المملكة تؤيد الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لاعتبار الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب خارجة عن إطار الدولة وغير مشروعة ومخالفة للقانون، لكنها، في الوقت نفسه، تدرك حساسية ملف السلاح، وترى أن معالجته يجب أن تحصل بطريقة تحول دون إثارة فتنة سنية - شيعية قد لا تقتصر تداعياتها على لبنان فحسب، بل قد تمتد إلى مناطق إسلامية أخرى حول العالم.
وعن الدور السعودي في المرحلة المقبلة، شدد على أن المملكة كانت ولا تزال من أبرز الداعمين للبنان على المستويات السياسية والاقتصادية والإنسانية، لافتا إلى أنها تستضيف مئات آلاف اللبنانيين الذين يعملون على أراضيها ويسهمون في نهضتها الاقتصادية، كما أنها تواصل إبداء استعدادها لدعم مشاريع التنمية والاستثمار في لبنان.
وأوضح تقي الدين أن هناك عشرات المشاريع المشتركة المطروحة بين الحكومة اللبنانية والمملكة العربية السعودية، وهي بحاجة إلى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة لإقرارها ووضعها موضع التنفيذ. وقال إن المملكة تبدي جدية كبيرة في دعم لبنان وتشجيع الاستثمار فيه، وإن الفرص المتاحة أمام التعاون الاقتصادي بين البلدين واسعة ومهمة.
وأكد أن الحكومة اللبنانية نجحت خلال الفترة الماضية في اتخاذ خطوات أسهمت في استعادة جزء من الثقة العربية والدولية بلبنان، وهو ما ترجم عمليا بإعادة فتح الأسواق السعودية أمام الصادرات اللبنانية، الأمر الذي يشكل مؤشرا إيجابيا على إمكانية تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين خلال المرحلة المقبلة.
وأخيرا، وبعد فترة طويلة من العلاقات غير المستقرة بفعل عوامل وظروف خارجة عن إرادة غالبية اللبنانيين، عاد لبنان إلى حضنه العربي من بوابة المملكة العربية السعودية، التي يشهد تاريخها الحديث على حجم الاهتمام الذي توليه للبنان، وحرصها الدائم على دعمه واحترام سيادته ومؤسساته الدستورية والرسمية. ويشكل هذا الانفتاح المتجدد فرصة حقيقية لتعزيز الاستقرار واستعادة الثقة العربية والدولية، بما يفتح آفاقا واعدة أمام مرحلة جديدة من التعاون والتنمية والنهوض الاقتصادي.