في وقت تتصاعد فيه المواقف السياسية العالية النبرة الصادرة عن رئيس الجمهورية جوزاف عون، والتي كان آخرها تأكيده تمسك الدولة اللبنانية بالمضي قدما نحو جولة جديدة من المفاوضات مع إسرائيل، محملا تل أبيب مسؤولية تعطيلها أو تأجيلها، ومشددا على أن لا حق لإيران في التحدث باسم لبنان أو فرض ما يجب عليه فعله، تتزايد التساؤلات حول مستقبل هذا المسار التفاوضي وجدواه في ظل التعقيدات السياسية والميدانية المتفاقمة.
ففي مقابل إصرار الدولة اللبنانية على اعتماد الخيار الدبلوماسي سعيا إلى تثبيت الاستقرار ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، تواصل إسرائيل رفضها الاستجابة للمطالب اللبنانية، متمسكة بمواصلة عملياتها العسكرية في الجنوب، ومطلقة العنان لآلة القتل والدمار في المناطق الجنوبية، ما يثير شكوكا متزايدة حول إمكان تحقيق أي اختراق فعلي على طاولة المفاوضات.
وفي المقابل، لا يزال حزب الله يرفض الانخراط في أي تسوية تفاوضية وفق الرؤية التي تطرحها الدولة اللبنانية، رابطا مصير الجبهة الجنوبية ومجمل الاستحقاق اللبناني بمآلات المفاوضات الأميركية - الإيرانية، الأمر الذي يجعل من الجنوب اللبناني ورقة تفاوضية إضافية في يد طهران ضمن صراعها الإقليمي.
وأمام هذا المشهد، تتجه الأنظار إلى الجولة المقبلة من المفاوضات المفترض عقدها في 22 من الشهر الحالي، وسط تساؤلات متزايدة حول إمكان انعقادها في موعدها المحدد وقدرتها على تحقيق أي خرق سياسي أو أمني في ظل استمرار التصعيد الإسرائيلي وتصلب المواقف الإيرانية حيال لبنان، لا سيما بعد المخاوف التي عبر عنها رئيس الوفد اللبناني المفاوض السفير سيمون كرم بشأن احتمال تعثر انعقادها.
وحول مسار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، والنتائج التي يمكن أن تفضي إليها، فضلا عن التداعيات المحتملة في حال تعثرها أو فشلها، أكد الكاتب السياسي والصحافي نايف عازار أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل لا تزال مستمرة على الرغم من عدم تحديد وزارة الخارجية الأميركية موعدا نهائيا للجولة المقبلة، مشيرا إلى أن الحديث يدور مبدئيا عن موعد يقع خلال الأسبوع الذي يبدأ في 22 من الشهر الحالي.
ورأى عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن المسار التفاوضي لن يتأثر بالتطورات الميدانية الراهنة، معتبرا أن التصعيد الإسرائيلي الحالي يأتي في إطار سعي إسرائيل إلى تعزيز أوراقها التفاوضية على طاولة المباحثات. وقال إن إسرائيل تواصل ممارسة الضغوط العسكرية والميدانية بهدف تحسين موقعها التفاوضي وتحقيق مكاسب إضافية قبل أي اتفاق محتمل.
أضاف عازار أن الملف اللبناني بات منفصلا عن المفاوضات الإيرانية الأميركية، لافتا إلى أن إسرائيل ستتفرغ بصورة أكبر للملف اللبناني. وأوضح أن المفاوضات الدبلوماسية بين بيروت وتل أبيب ستستمر برعاية أميركية، إلا أن الضغوط الإسرائيلية ستبقى قائمة بالتوازي معها.
وأشار إلى أن الحديث عن وجود خطوط حمراء أميركية تمنع إسرائيل من تنفيذ عمليات في الضاحية الجنوبية لبيروت، إلا أن الوقائع الميدانية أظهرت أن هذه الخطوط لم تكن مانعة بشكل كامل، معتبرا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سيواصل استهداف أي موقع يرى فيه هدفا أمنيا أو عسكريا.
وفي ما يتعلق بوقف إطلاق النار، أوضح عازار أن الاتفاق القائم حاليا يمنع اندلاع حرب واسعة النطاق، لكنه لا يمنع استمرار المواجهات المحدودة والضربات المتفرقة، واصفا الوضع الراهن بأنه أقرب إلى "حرب محدودة" أو "حرب منخفضة الوتيرة" قد تستمر حتى موعد الجولة المقبلة من المفاوضات.
وأكد أن الدولة اللبنانية حسمت خيارها بالاستمرار في المسار التفاوضي بعدما اقتنعت بأن المواجهة العسكرية مع إسرائيل لم تحقق النتائج المرجوة، معتبرا أن التجارب السابقة أثبتت محدودية فعالية هذا الخيار. وأشار إلى أن حزب الله يرتبط استراتيجيا بإيران، وأن قراره في ما يتعلق بالسلاح يبقى مرتبطا إلى حد كبير بالموقف الإيراني.
وأوضح عازار أن هناك عاملين أساسيين قد يدفعان نحو معالجة ملف سلاح حزب الله. العامل الأول يتمثل في إيران نفسها، إذ إن أي اتفاق محتمل بينها وبين الولايات المتحدة قد يؤدي إلى تراجع أهمية بعض أوراقها الإقليمية، ومنها ورقة حزب الله. أما العامل الثاني فهو استمرار الضغوط العسكرية الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو.
ورأى أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية شهدت تحولا جذريا بعد هجوم 7 تشرين الأول 2023، إذ انتقلت من استراتيجية دفاعية إلى استراتيجية هجومية وقائية تقوم على استهداف الخصوم خارج الحدود قبل وصول التهديد إلى الداخل الإسرائيلي، مؤكدا أن المسار الدبلوماسي لا يزال قائما. واعتبر أن إحدى النقاط الأساسية تتمثل في نجاح الدولة اللبنانية والإدارة الأميركية في انتزاع جزء من الملف التفاوضي من يد إيران وحزب الله، وجعله ضمن إطار تفاوضي رسمي تقوده الدولة اللبنانية.
وفي سياق الحديث عن مستقبل الجنوب اللبناني، استبعد عازار انسحاب إسرائيل الكامل في المدى المنظور حتى في حال التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، مرجحا أن تحتفظ إسرائيل ببعض النقاط والمواقع التي تعتبرها استراتيجية إلى حين التوصل إلى اتفاق سلام شامل مع لبنان، وهو ما قد يحتاج إلى فترة زمنية طويلة.
كما أشار إلى أهمية بدء تطبيق "المناطق التجريبية"، لافتا إلى أن بلدة دبين في قضاء مرجعيون تشكل نموذجا أوليا لهذا التوجه. وشرح أن هذه الآلية تقوم على انسحاب إسرائيل من بعض المناطق، مقابل انتشار الجيش اللبناني وسيطرته الكاملة عليها، بما في ذلك ضبط أي مخازن أو مواقع عسكرية غير شرعية، تمهيدا لإطلاق مشاريع إعادة الإعمار وعودة السكان إلى قراهم.
وقال عازار إن هذه التجربة قد تتوسع تدريجيا لتشمل مناطق أخرى، بما يشبه نموذج غزة، بحيث يُسمح بعمليات إعادة الإعمار وعودة الأهالي إلى المناطق التي تصبح تحت سيطرة الدولة اللبنانية الكاملة، بينما تبقى المناطق التي تشهد وجودا عسكريا أو نزاعا خارج هذه العملية إلى حين استقرار الأوضاع الأمنية فيها.
وفي الشأن الداخلي، لفت إلى وجود تصاعد ملحوظ في لهجة رئيس الجمهورية جوزاف عون تجاه حزب الله خلال الفترة الأخيرة، سواء في مقابلاته الإعلامية أو في مواقفه السياسية المعلنة، معتبرا أن الرئيس عون اتبع خلال الأشهر الماضية نهجا دبلوماسيا وهادئا في مقاربة العلاقة مع الحزب، إلا أن التطورات الأخيرة دفعته إلى اعتماد خطاب أكثر وضوحا وحزما.
وأوضح عازار أن رئيس الجمهورية بات يؤكد بصورة متزايدة على ضرورة حصر قرار السلم والحرب بيد الدولة اللبنانية، وعلى أهمية استكمال المسار التفاوضي الذي تقوده المؤسسات الشرعية، معتبرا أن هذا التوجه يعكس موقفا سياديا ينسجم مع متطلبات المرحلة الحالية.
وأشار إلى أن الردود وحملات التخوين، التي لا تخلو من الوقاحة الصادرة عن بعض الجهات الإيرانية ووسائل الإعلام المقربة من طهران تجاه مواقف الرئيس عون تعكس حجم الارتباط القائم بين إيران والحزب، مشددا على أن الرئيس عون لا يستهدف البيئة الشيعية في مواقفه، بل يحرص عليها بصورة خاصة. واعتبر أن تحذيراته المتكررة لحزب الله تنطلق من رغبته في تجنيب هذه البيئة، كما لبنان عموما، مزيدا من الخسائر والتداعيات الناجمة عن استمرار المواجهة المفتوحة.
وأكد عازار أن لبنان لا يملك اليوم سوى خيار المفاوضات والمسار السياسي والدبلوماسي لتجنيب البلاد المزيد من الحروب والدمار، معتبرا أن كل النزاعات تنتهي في نهاية المطاف إلى طاولة المفاوضات، وأن المطلوب حاليا هو الوصول إلى وقف مستدام لإطلاق النار يحفظ ما تبقى من استقرار في الجنوب اللبناني ويحد من الخسائر البشرية والمادية.
وعليه، وبعد سنوات من الحروب والمواجهات التي ألحقت بلبنان خسائر جسيمة في الأرواح والممتلكات، وبعدما أثبتت الخيارات العسكرية عجزها عن تحقيق الاستقرار المنشود، لم يعد أمام اللبنانيين سوى التمسك بخيار المفاوضات باعتباره الطريق الأكثر واقعية نحو الأمن والاستقرار. فقد أظهرت تجارب إقليمية، لا سيما في مصر والأردن، أن مسار التفاوض قادر على إنهاء الصراعات الطويلة وفتح الطريق أمام الاستقرار والتنمية. ومن هذا المنطلق، يبرز المسار التفاوضي الحالي كفرصة أساسية لإنهاء دوامة العنف وفتح صفحة جديدة للبنان.