فيما تقترب المهلة الفاصلة عن اللقاء المرتقب في واشنطن في الثاني والعشرين من حزيران، يبدو المشهد في الجنوب اللبناني وكأنه يتحرك على إيقاع دبلوماسي متسارع، يفتح الباب أمام محاولة جديدة لالتقاط فرصة تسوية لا تزال تفاصيلها التنفيذية غير محسومة.
وفي هذا السياق، برزت جولة السفير الأميركي ميشال عيسى بين عين التينة ومجلس النواب الأسبوع الماضي كمحطة لافتة، حملت معها طرحا أعاد إلى الواجهة مفهوم "المنطقة التجريبية" (Pilot Zone)، في وقت يكتسب هذا المسار أهمية إضافية في ظل المناخ الإقليمي الجديد الذي فرضه الاتفاق الأميركي – الإيراني المرتقب، والذي يُنظر إليه على أنه عامل أساسي في إعادة رسم التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة، بما فيها الساحة اللبنانية.
هذا الطرح، الذي استُقبل في بدايته بشيء من الحذر والالتباس وسط مخاوف من إمكان تطوره إلى صيغة شبيهة بـ"المنطقة العازلة"، تبين لاحقا، وفق التوضيحات الأميركية، أنه يقوم على مقاربة مختلفة قوامها ترتيبات أمنية وإدارية مرحلية، تتيح عودة تدريجية للأهالي وانتشار قوى لبنانية وعربية، ريثما تتبلور المواقف السياسية النهائية للقوى المعنية. وبين الطرح الرسمي والتفسيرات السياسية، تبقى الأسئلة مفتوحة حول قدرة هذا المسار على الصمود أو التعثر، وحدود مرونة حزب الله في التعاطي معه، ودور رئيس مجلس النواب نبيه بري كقناة سياسية أساسية، وما إذا كانت "التنازلات الموضعية" ممكنة، أم أن التعقيدات السياسية والميدانية لا تزال أقوى من أي صيغة مطروحة.
وفي هذا السياق، أوضح الكاتب والباحث السياسي علي السبيتي أن بيان واشنطن بين المفاوضين اللبناني والإسرائيلي يعكس طبيعة التوازنات القائمة بين الجانبين، إذ إن المفاوض اللبناني تخلى عن شروطه المسبقة تعبيرا عن هذا التوازن الراجح لصالح الجانب الإسرائيلي، بعد احتلاله قسما كبيرا من منطقة جنوب الليطاني.
وأشار إلى أن هذا التفاهم الأولي، الذي جرى برعاية أميركية، واجه موقفا غاضبا من حزب الله وموقفا صارما من الرئيس نبيه بري، الأمر الذي انعكس توترا في المشهد الداخلي، وأدى إلى إبراز التباينات بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام من جهة، والرئيس بري من جهة أخرى، ما فرمل اندفاعة السلطة في التهيئة المطلوبة لتنفيذ ما جرى التفاهم عليه.
ولفت، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن الولايات المتحدة عادت إلى طرق باب الرئيس بري مجددا بعد اعتمادها على رئيسي الجمهورية والحكومة لفتح الطريق أمام جرافات الجيش اللبناني لتنظيف آثار الاحتلال في ما يسمى "المنطقة التجريبية". واعتبر أن التوضيحات التي قدمها السفير الأميركي ميشال عيسى للرئيس بري ساهمت في تبديد جانب من الهواجس التي أبداها الثنائي الشيعي حيال المهمة الموكلة إلى الجيش اللبناني، موضحا أن هذه التوضيحات "صححت مسارا ملغوما بالنسبة إلى الرئيس بري، ومفخخا بأفخاخ إسرائيلية"، لكنها تحتاج إلى قراءة مشتركة داخل الثنائي قبل تقديم رد رسمي عليها.
ورأى السبيتي أن السفير الأميركي، من حيث يدري أو لا يدري، فتح مسارا تفاوضيا موازيا إلى جانب المسار الذي تتولاه رئاسة الجمهورية، وهو ما يريح الرئيس بري الذي يفضل التفاوض غير المباشر على أي شكل من أشكال التفاوض المباشر مع إسرائيل.
واعتبر أن هذا المسار بين عيسى وبري من شأنه أن يهيئ الأجواء للاستفادة من المناخ السياسي الذي أفرزه الاتفاق الأميركي – الإيراني، مشيرا إلى أن توقيع الاتفاق لا يعني تلقائيا حل الملفات العالقة في لبنان، لكنه يزيل أحد أبرز عناصر التوتر الإقليمي التي كانت تعرقل أي تقدم في المسار التفاوضي.
وأضاف أن أي خطوة لبنانية، سواء عبر المسار الرئاسي أو عبر قناة عين التينة، ستبقى مرتبطة بمدى انعكاس التفاهم الأميركي – الإيراني على ملفات المنطقة، وبقدرة السلطة اللبنانية على تحويل هذا المناخ الإقليمي إلى فرصة فعلية لمعالجة الملفات العالقة، وفي مقدمها الوضع الأمني في الجنوب.
وأشار إلى أن الأطراف اللبنانية تبقى إلى حد كبير خارج إطار التفاهمات الكبرى التي تتوصل إليها القوى الإقليمية والدولية، فيما يظل السؤال مطروحا حول حجم الانعكاسات العملية للاتفاق الأميركي – الإيراني على الملف اللبناني وآليات تطبيق الالتزامات الأمنية المطلوبة.
وشدد السبيتي على أنه ما لم تحزم السلطة أمرها وتتحمل مسؤولية السيادة والأمن بالفعل لا بالقول، فإن أي موعد تفاوضي سيبقى عرضة للتعثر، لافتا إلى أن القرار في لبنان لا يمكن فصله بالكامل عن الموقف الإيراني، ولا يُختزل بشخص الرئيس نبيه بري أو حزب الله، طالما أن طهران تنظر إلى الساحة اللبنانية باعتبارها إحدى ساحات نفوذها الإقليمية.
وقال إن أي حل مع الولايات المتحدة لا بد أن يمر عبر تفاهم أوسع يراعي هذا الواقع، ويضع لبنان ضمن إطار تسوية إقليمية متوازنة، مشيرا إلى أن المواقف الإيرانية المعلنة خلال الفترة الماضية كانت واضحة في تأكيد ارتباط ملفات المنطقة بعضها ببعض، وإن اختلفت آليات إدارة هذه الملفات بعد الاتفاق.
واعتبر السبيتي أن الصورة التي وزعتها السفارة الإيرانية سابقا لخارطة تُظهر إيران في نصفها ولبنان ضمن امتدادها الجغرافي تُقرأ، في سياقها السياسي، كتعبير رمزي عن تصور سياسي واضح لا يمكن تجاهله في مقاربة المشهد الإقليمي، وهو تعبير مباشر عن رؤية إيران لدورها ونفوذها في المنطقة.
في المحصلة، لا تبدو "المنطقة التجريبية" مجرد تفصيل تقني أو إجراء أمني محدود، بل تحولت إلى عنوان سياسي معقد تتقاطع عنده الحسابات الداخلية مع التفاهمات الإقليمية والدولية. فبين اندفاعة رسمية لتسهيل مهمة الجيش اللبناني، وتحفظات سياسية يقودها الرئيس نبيه بري بالتنسيق مع حزب الله، تتقدم المقاربة الأميركية كمسار لا يزال في طور الاختبار، بانتظار ما ستنتجه المرحلة الجديدة التي فتحها الاتفاق الأميركي – الإيراني.
وفي هذا الإطار، تبقى الإشارات المرتبطة بإيران حاضرة في خلفية المشهد، لكن ضمن معادلة مختلفة فرضها الاتفاق الجديد، ما يجعل موعد 22 حزيران محطة لاختبار مدى قدرة هذا المناخ الإقليمي المستجد على دفع المسار اللبناني – الإسرائيلي نحو خطوات أكثر وضوحا.
وعليه، يبقى المشهد مفتوحا على أكثر من احتمال، لكن المؤكد أن الاتفاق الأميركي – الإيراني يضع لبنان أمام مرحلة سياسية مختلفة عما سبقها. فالسؤال لم يعد ما إذا كانت التسوية الإقليمية ستبصر النور، بل كيف ستنعكس على الداخل اللبناني، وعلى ملف الجنوب تحديدا، وما إذا كانت ستترجم بخطوات عملية على الأرض أم ستبقى ضمن حدود التفاهمات السياسية العامة.