بعد التصريحات والحملات الإعلامية الهجومية الأخيرة الصادرة من إيران والتي طالت رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، على خلفية مواقفهم الأخيرة تجاه طهران، ورفضهم الشديد للتدخل الإيراني في لبنان، عاد الجدل حول طبيعة العلاقات اللبنانية - الإيرانية إلى الواجهة. فالمواقف الإيرانية الأخيرة عكست تدخلا إيرانيا مباشرا وتطاولا على السيادة اللبنانية، ما أدى إلى ظهور دعوات سياسية تطالب الدولة اللبنانية باتخاذ موقف أكثر تشددا تجاه إيران، وصولا إلى طرح مسألة قطع العلاقات الدبلوماسية معها.
فهل يبقى الرد اللبناني مقتصرا على المواقف السياسية والتصريحات الرافضة لما يصدر عن طهران، أم أنه قد يترجم بخطوات دبلوماسية قد تعيد طرح مستقبل العلاقة بين البلدين؟
في هذا الإطار، اعتبر نائب رئيس حزب حركة التغيير وعضو الجبهة السيادية من أجل لبنان بسام خضر آغا أن ما صدر عن المسؤولين الإيرانيين وصحفهم بحق الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام يشكل ازدراء بالجمهورية اللبنانية وبأغلبية الشعب اللبناني، مشيرا إلى أن هذه المواقف تعكس أسبابا جوهرية تعود إلى مسار العلاقة بين إيران ولبنان منذ العام 2006.
وأوضح عبر منصة "بالعربي" أن هذا المسار بدأ مع توقيع وثيقة التفاهم في كنيسة مار مخائيل، ثم زيارة الرئيس السابق ميشال عون إلى طهران ولقائه بالرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، معتبرا أن الأمر شكل محطة أساسية أدت إلى ما وصفه بتعزيز النفوذ الإيراني داخل الدولة اللبنانية، وترافق مع وصول عون لاحقا إلى الرئاسة ثم صهره، إضافة إلى ما اعتبره تمكين حزب الله من السيطرة على مفاصل الدولة وإضعاف مؤسساتها، فضلا عن إلغاء المساعدة العسكرية السعودية للجيش اللبناني والتي قدرت بنحو 4 مليارات دولار.
وانطلاقا من ذلك، رأى آغا أن إيران تتعامل مع لبنان بما وصفه بمنطق يتجاوز سيادة الدولة، معتبرا أن الهجوم على الرئيسين عون وسلام يعكس هذا النهج، وبالتالي فإن الرد يجب أن يكون عبر قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران وطرد السفير الإيراني غير الشرعي من بيروت. وأكد أنه لا يوجد خيار آخر في ظل هذا التصعيد.
وقال إن إيران لا تعترف فعليا بالجمهورية اللبنانية بل بما وصفه بـ "ذراعها الحزبي"، معتبرا أن العقيدة السياسية التي تقوم عليها لا تتقاطع مع مفهوم الدولة الوطنية وحدودها. كما رأى أن هذا الأمر ينسحب أيضا على حزب الله الذي قال إنه تاريخيا لا يعترف بالدولة اللبنانية ولا يؤمن بدورها.
وأكد آغا أن إيران تعطل دور الحكومة اللبنانية، مشيرا إلى أن القوى السيادية تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع ما وصفه بـ "الدولة المارقة وأذرعها". وقال إنه في حال استمرار هذا النهج وعدم تراجع إيران عنه، فإنهم سيكونون ملزمين بالتعاون مع محيطهم العربي لمواجهة المشروع الإيراني الذي يطال المنطقة بأكملها.
وفي هذا السياق، استحضر موقفا سابقا للرئيس نبيه بري، نشر في صحيفة "النهار" بتاريخ 14 أيار 1990، عقب اجتماع لحركة أمل برئاسته، وجاء فيه: "لسنا طامعين بخير إيران بل بكف شرهم عنا"، معتبرا أن هذا الموقف يعكس جانبا من طبيعة العلاقة الإشكالية مع طهران. كما شدد على أن أكثرية اللبنانيين تقف إلى جانب الدولة وشرعيتها والقرار السياسي الرسمي.
وحذر آغا من أن التوتر القائم قد ينعكس على المرحلة السياسية المقبلة، معربا عن خشيته من أن يقدم حزب الله على خطوات تصعيدية في الداخل، الأمر الذي قد يؤدي إلى تدخل إقليمي لا يرغب به اللبنانيون. كما أشار إلى أن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة تعهدا أمام المجتمع الدولي بتنفيذ القرارات الدولية، معتبرا أن المجتمع الدولي مطالب بالمساعدة لتحقيق ذلك، ولم يستبعد اللجوء إلى خيارات دولية أوسع إذا اقتضى الأمر، بما فيها وضع لبنان تحت البند السابع بهدف توفير حماية دولية والوصول إلى سلام دائم.
وقال إن شعوب العالم تتشابه إلى حد كبير في أفكارها، باستثناء إيران وتوابعه، على حد وصفه، معتبرا أنهم يعيشون في كوكب آخر اسمه "مجرة ولي الفقيه".
وعليه، يبقى التعامل مع هذا التوتر القائم بين البلدين مرهونا بقدرة الدولة اللبنانية على ضبط إيقاع ردودها، وتحديد سقف مقاربتها للعلاقة مع طهران، خصوصا في ظل هذه المرحلة السياسية والإقليمية الحساسة.