يبدو أن المواجهة العسكرية بين إسرائيل وحزب الله تتجه نحو منحى تصاعدي، لا سيما في أعقاب الغارة الإسرائيلية التي استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت الأحد. ومع المسارعة الإيرانية إلى الرد على هذا الاستهداف، تبرز مخاوف متزايدة من انفلات الوضع العسكري مجددا، في ظل احتمال انهيار التفاهم الميداني الذي كان يشمل الضاحية الجنوبية والبقاع، فيما استثني منها جنوب لبنان الذي بقي ساحة مفتوحة للمواجهات.
فهل نحن أمام سقوط هذه الهدنة بين إسرائيل وحزب الله، بما يعيد المناطق المشمولة بها إلى دائرة التصعيد والاستهداف، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوتر العسكري؟
وفي قراءة للمشهد الميداني ومصير الهدنة، رأى النائب السابق والعميد المتقاعد وهبي قاطيشا أن ما يعرف بالهدنة القائمة بين حزب الله وإسرائيل لم تكن في الأساس شاملة، بل كانت تتناول بصورة رئيسية بيروت وشمال إسرائيل، معتبرا أن هذا الواقع لم يكن ملائما لا لحزب الله ولا لإيران.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن إيران لا تجد مصلحتها في حالات الاستقرار، بل في استمرار التوتر والفوضى، مشيرا إلى أن الاستقرار الداخلي يضعها أمام استحقاقات ومطالب شعبها المعيشية والاقتصادية. وقال إن التطورات الأخيرة عقب استهداف الضاحية الجنوبية جاءت في هذا السياق، حيث شهدت المنطقة تبادلا للرسائل العسكرية بين الجانبين الإسرائيلي والإيراني.
وأشار قاطيشا إلى أن الاستهداف الإسرائيلي الأخير للضاحية لم يكن، في رأيه، ذا طابع استراتيجي كبير، بل استهدف مواقع محددة للحزب لا تصنف ضمن مراكز القيادة الأساسية، إلا أن ذلك يندرج ضمن مسار التصعيد القائم، معتبرا أن إيران سارعت إلى الإعلان عن ردود عسكرية بهدف إظهار دعمها لحزب الله. ولفت إلى أن الصواريخ التي أطلقت لم تحقق تأثيرا عسكريا مباشرا داخل إسرائيل، وإنما حملت بعدا استعراضيا وسياسيا أكثر منه عسكريا.
وانتقد ما وصفه باستغلال دماء اللبنانيين وأراضيهم في إطار الصراعات الإقليمية، معتبرا أن اللبنانيين يدفعون ثمن مواجهات تتجاوز حدود بلادهم ومصالحهم الوطنية.
وفي ما يتعلق بالوضع الميداني، أكد أن التصعيد لم يبلغ بعد ذروته، لكنه مرشح للاستمرار والتوسع طالما أن إيران، وفق تعبيره، لا تزال ترى مصلحة في استمرار المواجهة. وقال إن الحرب الدائرة بين إسرائيل وحزب الله لن تتوقف بسهولة، وإن حسمها لن يكون ممكنا إلا بعد تغيرات جوهرية في موازين القوى على الأرض.
وحذر قاطيشا من خطورة العمليات العسكرية الإسرائيلية القائمة في الجنوب، مشيرا إلى أن الجيش الإسرائيلي يعتمد سياسة التدمير المنهجي للبنى السكنية والقرى قبل التقدم الميداني إليها. وقال إن هذا النهج يؤدي إلى تدمير مقومات الحياة الأساسية وقطع شرايين العيش، بما يجعل عودة السكان إلى مناطقهم أمرا بالغ الصعوبة في المستقبل.
أضاف إن العمليات العسكرية لم تعد تقتصر على الشريط الحدودي، بل امتدت إلى نطاقات أوسع، لافتا إلى أن الضغوط العسكرية تتزايد على مدينة النبطية ومحيطها من جهات عدة. واعتبر أن أي تقدم إسرائيلي إضافي في تلك المنطقة من شأنه أن يفتح المجال أمام السيطرة على مساحات واسعة من الجنوب وصولا إلى المناطق الساحلية.
وفي معرض حديثه عن أوضاع البيئة الحاضنة لحزب الله، رأى قاطيشا أن حجم الدمار والنزوح المتزايدين ولدا حالة من الإحباط لدى شريحة من أبناء الطائفة الشيعية، لا سيما لدى الذين باتوا يشعرون بأنهم خسروا أراضيهم ومنازلهم واستقرارهم نتيجة الحرب، مشيرا إلى أن أعداد النازحين الكبيرة تجعل من الصعب استيعابهم في مناطق محدودة مثل الضاحية الجنوبية لبيروت.
ورأى أن كثيرين باتوا يطرحون تساؤلات حول الخيارات التي أوصلت الأوضاع إلى هذا المستوى من الخسائر البشرية والمادية، وحول مستقبل المناطق الجنوبية بعد حجم الدمار الذي لحق بها، مشبها ما يتعرض له الجنوب من تدمير واسع بما حصل في هضبة الجولان بعد حرب العام 1973. واعتبر أن الخطر لا يقتصر على الخسائر الآنية، بل يمتد إلى احتمال فقدان مناطق واسعة من الجنوب لمقومات بقائها السكانية والعمرانية، متهما الحزب بـ"بيع الجنوب"، وفق تعبيره، تماما كما باع حافظ الأسد الجولان.
وفي ما يتعلق بالضاحية الجنوبية لبيروت، أكد قاطيشا أنها لم تعد بمنأى عن الاستهداف العسكري، معتبرا أن المؤشرات الميدانية تدل على أن المرحلة المقبلة قد تشهد تصاعدا إضافيا في وتيرة العمليات العسكرية.
وشدد على أن المسار الحالي، إذا استمر على الوتيرة نفسها، يتجه نحو مزيد من التصعيد وإلى محاولة إفراغ مناطق واسعة من الجنوب من سكانها ومقاتليها بعد تدميرها، معتبرا أن المشهد العام بات واضحا في هذا الاتجاه.
وعليه، فإن الأوضاع تبدو متجهة نحو مزيد من التصعيد، فيما لم تعد الضاحية الجنوبية بمنأى عن الاستهدافات الإسرائيلية، في ظل تصاعد التهديدات الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين. وكان آخر هذه التهديدات ما أطلقه وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي توعد بتدمير عشرات المباني في الضاحية الجنوبية مقابل كل صاروخ إيراني يطلق باتجاه إسرائيل.