June 08, 2026   Beirut  °C
سياسة

بعد الرد الإيراني... داوود رمال: استهداف الضاحية لن ينسف مسار واشنطن

لم تمضِ سوى أيام قليلة على إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق مع الجانب الإسرائيلي يقضي بتحييد بيروت والضاحية الجنوبية عن العمليات العسكرية، حتى عادت إسرائيل لتشن غارة على الضاحية يوم الأحد، ليتبعها رد إيراني على إسرائيل، وتبدأ بعدها سلسلة جديدة من الغارات المتبادلة بين الجانبين.

ويأتي هذا التصعيد في وقت لا تزال فيه مخرجات الجولة الأخيرة من مفاوضات واشنطن موضع نقاش، ولا سيما بعد الملاحظات التي أبداها رئيس مجلس النواب نبيه بري بشأنها، بالتوازي مع الجهود السياسية والاتصالات المكثفة لمنع الانزلاق نحو مواجهة أوسع.


فهل تفتح ضربة الضاحية الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد، أم أنها ستندرج ضمن سياق ضغط ميداني يسبق تفاهمًا أوسع؟


في هذا الإطار، أكد الصحافي والكاتب السياسي الدكتور داوود رمال أن إسرائيل أعلنت بشكل واضح أنها لا تفاوض إلا تحت النار، وبالتالي فهي لا تتجه نحو التهدئة بمعناها الكامل في هذه المرحلة.


وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن الإنجاز الذي تحقق في مسار واشنطن خلال الجولة الرابعة من المفاوضات تمثل في إلزام أميركي لإسرائيل بمعادلة تقوم على وقف شامل لإطلاق النار، مع إضافة بند مرتبط بحزب الله، هدفه الحؤول دون إعادة فتح الجبهة اللبنانية في حال تعرضت إيران لهجوم.


ورأى رمال أن الضربة التي تعرضت لها الضاحية الجنوبية اليوم لن تؤثر، برأيه، في مسار واشنطن، معتبرًا أن التصعيد الأخير يرتبط أكثر بالتعقيدات التي لا تزال تحكم المفاوضات الأميركية - الإيرانية. وأشار إلى أن إطلاق حزب الله صواريخ باتجاه شمال إسرائيل أعقبه رد إسرائيلي استهدف الضاحية الجنوبية، لافتًا إلى أن مشهدًا مشابهًا تكرر قبل نحو أسبوع عندما أدى إطلاق الصواريخ إلى رد إسرائيلي مماثل.


وأضاف: "اللافت هذه المرة كان الموقف الإيراني، إذ صدرت تصريحات عن مسؤولين إيرانيين أكدت الاستعداد للرد ليس فقط على استهداف الضاحية، بل أيضًا على القواعد العسكرية الأميركية المرتبطة، بحسب تعبيره، بحصار الموانئ الإيرانية". واعتبر أن ما يجري يعكس مجددًا استخدام الساحة اللبنانية كساحة لتبادل الرسائل بين الولايات المتحدة وإيران، بحيث تمر الرسائل الأميركية عبر إسرائيل، فيما تمر الرسائل الإيرانية عبر حزب الله.


وفي معرض حديثه عن العلاقة بين استهداف الضاحية ومسار الاتفاق المطروح، رأى رمال أن الأمر لا يرتبط مباشرة بالتفاهمات اللبنانية - الإسرائيلية بقدر ما يرتبط بمسار التفاوض الأوسع بين واشنطن وطهران، معتبرًا أن الساحة اللبنانية تحولت، للأسف، إلى ورقة ضغط متبادلة تستخدمها إيران في مواجهة المفاوض الأميركي، كما تستخدمها الولايات المتحدة للضغط على إيران.


أما في ما يتعلق بموقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، فأوضح أن الأخير لم يرفض مخرجات الجولة الرابعة من مفاوضات واشنطن، بل أبدى مجموعة من الملاحظات عليها، لافتًا إلى أن بري أجرى اتصالات مع عدد من العواصم العربية، بينها الرياض والقاهرة والدوحة، في محاولة لإيجاد توازن في الآليات التنفيذية المرتبطة بالمخرجات المطروحة، بما يضمن عدم الإخلال بالتوازنات المطلوبة في حال قرر لبنان السير بها.


ولفت رمال إلى أن بري سبق أن أعلن استعداده للالتزام بأي اتفاق شامل لوقف إطلاق النار، مؤكدًا أن همه الأساسي يتمثل في التوصل إلى اتفاق يؤدي إلى وقف شامل للأعمال العسكرية، وانسحاب القوات الإسرائيلية، ويفتح الباب أمام إعادة إعمار المناطق المتضررة.


وأضاف أن قنوات التواصل لا تزال مفتوحة بينه وبين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، مشيرًا إلى أن خبرته السياسية الطويلة تدفعه إلى تجنب موقفي الرفض المطلق أو القبول المطلق، والسعي بدلًا من ذلك إلى تدوير الزوايا وإيجاد مخارج وسطية، رغم صعوبة هذا الأمر في أي تفاوض مع الجانب الإسرائيلي.


وعن المرحلة المقبلة، اعتبر رمال أن ما يجري حاليًا قد يكون تصعيدًا يسبق التوصل إلى اتفاق، وهو سيناريو كان متوقعًا في ظل الحديث عن تفاهمات أميركية - إيرانية محتملة. ورجّح أن تتجه الأطراف في نهاية المطاف نحو الاتفاق، مشيرًا إلى أن لكل من واشنطن وطهران مصلحة في ذلك.


وربط هذا التقدير بجملة عوامل، من بينها اعتبارات داخلية أميركية واقتراب موعد كأس العالم، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية الكبيرة التي تواجهها إيران، والتي تخسر، بحسب تقديره، مئات ملايين الدولارات يوميًا نتيجة العقوبات والحصار.


وختم بالقول إن الجميع يريد الوصول إلى اتفاق، لكن كل طرف يسعى في الوقت نفسه إلى الظهور بموقع المنتصر وتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية.


وعليه، يبقى المسار مفتوحًا على أكثر من احتمال بين التصعيد والتهدئة، وسط تخوف كبير من أن يتحول لبنان مجددًا إلى ساحة لإيصال الرسائل بين أطراف إقليمية ودولية، في انتظار ما ستفضي إليه الاتصالات والمفاوضات الجارية.