تبرز أهمية ما حققه الوفد اللبناني المفاوض مع إسرائيل في واشنطن، برئاسة السفير سيمون كرم، من خلال تمسكه بموقف واضح وحازم قضى برفض البحث في أي ملف مع الجانب الإسرائيلي قبل التوصل إلى وقف كامل لإطلاق النار في لبنان، وهو الهدف الذي تعمل عليه الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب.
وتكمن أهمية هذا الموقف في أنه أعاد التأكيد على أن الدولة اللبنانية قادرة، عبر مؤسساتها الشرعية، على الاضطلاع بمسؤولياتها الوطنية في حماية لبنان وشعبه والدفاع عن مصالحه، بما يدحض مزاعم المشككين بقدرتها على القيام بهذا الدور.
ولا تقل أهمية عن مسار المفاوضات وما أفضى إليه من نتائج، الخطوة التي تلت التهديد الإسرائيلي باستهداف حارة المسيحيين في مدينة صور، حيث سارع الجيش اللبناني إلى التدخل واتخاذ الإجراءات اللازمة لإخلاء المنطقة من عناصر حزب الله وتأمينها، بما حال دون تعرضها لأي استهداف إسرائيلي محتمل. وقد شكل هذا التحرك دليلا إضافيا على قدرة الدولة على فرض سلطتها وممارسة دورها الأمني في حماية المواطنين وصون الاستقرار.
وانطلاقا من ذلك، يتأكد أن الدولة اللبنانية، على الرغم من التحديات والضغوط التي تواجهها، لا تزال قادرة على أن تشكل مظلة الأمان الوحيدة للبنان واللبنانيين، وأن تثبت أن الدبلوماسية الفاعلة والاتصالات السياسية المدروسة قادرة على تحقيق النتائج المرجوة وحماية المصالح الوطنية، بما يفوق ما يمكن أن تفضي إليه لغة السلاح وخيارات التصعيد العسكري.
وفي هذا الإطار، أكد ناشر ورئيس تحرير جريدة اللواء الصحافي صلاح سلام أن التقدم الذي تحقق على صعيد المفاوضات المتعلقة بوقف إطلاق النار يمثل خطوة متقدمة ومهمة على المستويين السياسي والأمني، مشيرا إلى أن الاتفاقات التي جرى التوصل إليها مع الجانب الإسرائيلي تتضمن للمرة الأولى تثبيت وقف إطلاق النار في مختلف المناطق اللبنانية، إلى جانب اعتماد مبدأ الخطوات المتزامنة بين الطرفين.
وأوضح عبر منصة "بالعربي"، أن أهمية هذه التطورات تكمن في أن كل خطوة ينفذها أحد الجانبين تقابلها خطوة مماثلة من الجانب الآخر، وهو أمر كان مرفوضا في جولات التفاوض السابقة. واعتبر أن هذا التطور يعيد القرار السيادي وملف التفاوض إلى الدولة اللبنانية وحدها، بعيدا عن أي تدخلات خارجية، ويؤكد في الوقت نفسه قدرة الدولة على تحمل مسؤولياتها الوطنية متى توافرت لها الإمكانيات والدعم اللازمان، ولا سيما ما يتعلق بتعزيز قدرات الجيش اللبناني وتمكينه من أداء مهامه بصورة كاملة.
وفي معرض تعليقه على انتشار الجيش في بلدة دبين الجنوبية الخميس، أشار سلام إلى أن ما حصل يشكل نموذجا واضحا لقدرة الجيش اللبناني على التحرك السريع والحاسم عند توافر الظروف المناسبة، إلا أنه شدد على أن المؤسسة العسكرية ما زالت بحاجة إلى مزيد من الإمكانيات التقنية والبشرية التي تسمح لها بالانتشار الفاعل على كامل الأراضي الواقعة جنوب نهر الليطاني، وضبط الوضع الأمني بصورة شاملة ومستدامة.
وعن موقف حزب الله الرافض لاتفاق وقف إطلاق النار، رأى سلام أن هذا الرفض جاء بعد إعلان الحرس الثوري الإيراني معارضته للاتفاق، معتبرا أن التصريحات الإيرانية في هذا السياق تمثل تدخلا مباشرا في الشؤون الداخلية اللبنانية، وتعكس تمسك طهران بما وصفه ب"الورقة اللبنانية" واستخدامها في سياق مفاوضاتها مع الولايات المتحدة الأميركية.
وأضاف أن الدولة اللبنانية أكدت مرارا، وعلى لسان رئيس الحكومة نواف سلام، أن لا أحد يفاوض باسم لبنان سوى مؤسساتها الدستورية الشرعية، وأن القرار اللبناني يجب أن يبقى بيد الدولة وحدها، رافضا استخدام لبنان ورقة ضغط أو مساومة على طاولات التفاوض الإقليمية والدولية.
وفي ما يتعلق بتصريحات رئيس الجمهورية جوزاف عون بشأن اعتبار الاتفاق فرصة أخيرة للبنان، أكد سلام أن الاتفاق يمثل بالفعل فرصة ذهبية لتحقيق مجموعة من الأهداف الوطنية الأساسية، وفي مقدمتها تثبيت وقف إطلاق النار، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة، وإعادة النازحين إلى مناطقهم، وإطلاق ورشة إعادة الإعمار، فضلا عن تعزيز قدرات الجيش اللبناني وتجهيزه بصورة أفضل.
وأوضح أن هذه الأهداف مترابطة ولا يمكن تحقيقها دفعة واحدة، بل تحتاج إلى مراحل وخطوات متتابعة. كما اعتبر أن ما يسمى ب"الفترة التجريبية" يشكل اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة اللبنانية ومؤسساتها الأمنية والعسكرية على إدارة المناطق التي سينسحب منها الجيش الإسرائيلي، بما يعزز الثقة المحلية والدولية بقدرات الجيش اللبناني.
وأشار سلام إلى أن الجيش اللبناني تمكن خلال الفترة الماضية من بسط سيطرته على مناطق واسعة جنوب الليطاني، وكشف العديد من مخازن الأسلحة والذخائر والأنفاق، لافتا إلى أن هذه الجهود حظيت بإشادات من المندوب الأميركي في لجنة "الميكانيزم"، كما أقرت شخصيات إسرائيلية، من بينها بنيامين نتنياهو، بوجود إنجازات حققها الجيش اللبناني، وإن اعتبرت أنها غير كافية من وجهة نظرها.
وأكد أن ما أنجزه الجيش اللبناني حتى الآن يعد إنجازا مهما إذا ما قورن بالإمكانيات المحدودة المتوافرة لديه، الأمر الذي يستدعي توفير مزيد من الدعم والتجهيزات اللازمة لتمكينه من الاضطلاع بكامل مسؤولياته الوطنية.
وفي تفسيره لتحذير رئيس الجمهورية بأن كل طرف سيتحمل مسؤوليته في حال عدم الالتزام بالاتفاق، أوضح سلام أن المقصود هو أن الحزب أو أي طرف آخر في حال رفض وقف إطلاق النار أو عمل على عرقلة تنفيذه واستمرار المواجهة العسكرية مع إسرائيل سيتحمل تبعات قراراته أمام اللبنانيين وأمام الدولة.
وأضاف أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى اتساع نطاقها وعدم بقائها محصورة في المناطق الجنوبية، بحيث يمكن أن تمتد إلى مناطق أخرى، بما فيها بيروت والضاحية الجنوبية، وهو ما يفرض على جميع الأطراف إدراك حجم المخاطر المترتبة على أي تصعيد جديد، كما حصل جراء تورط حزب الله في حرب إسناد إيران من دون مشورة أحد.
وعليه، أثبتت الدولة اللبنانية، ومعها الجيش اللبناني، أنها قادرة متى توافرت الإرادة السياسية والدعم اللازم على حفظ الأمن والاستقرار وحماية اللبنانيين في مختلف المناطق. ومن هنا، تبدو المرحلة الراهنة فرصة حقيقية لترسيخ سلطة الدولة وبسطها على كامل الأراضي اللبنانية من دون استثناء، بما يكرس احتكارها لقراري السلم والحرب. كما آن الأوان لإقفال الباب نهائيا أمام استخدام لبنان ورقة تفاوض أو ساحة لتصفية الحسابات والصراعات الإقليمية والدولية، حفاظا على سيادته واستقراره ومصالح شعبه.