في خضم الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى وقف الحرب في لبنان، يتقدم الطرح المصري مجددًا إلى واجهة النقاش السياسي، وسط حديث عن إمكانية إعادة العمل بمقاربة سبق أن اقترحتها القاهرة لمعالجة الملفات الخلافية المرتبطة بالسلاح والاستقرار الأمني.
في خضم الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى وقف الحرب في لبنان، يتقدم الطرح المصري مجددًا إلى واجهة النقاش السياسي، وسط حديث عن إمكانية إعادة العمل بمقاربة سبق أن اقترحتها القاهرة لمعالجة الملفات الخلافية المرتبطة بالسلاح والاستقرار الأمني.
ويستند هذا الطرح إلى مسارٍ تدريجي يجمع بين تثبيت وقف إطلاق النار، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، والتقدم نحو حصر السلاح بيد الدولة. إلا أن التساؤلات تبقى قائمة حول فرص نجاح هذه المقاربة وقدرتها على تجاوز العقبات التي تعرقل أي تسوية محتملة.
وفي قراءةٍ أوسع للمساعي المصرية تجاه الملف اللبناني، أكد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي محمد سعيد الرز أن الدور الذي تلعبه مصر حاليًا لمساعدة لبنان على الخروج من أزمته الراهنة، المتمثلة بالعدوان الإسرائيلي والتهديدات التي تطال مكوناته الوطنية، يستند إلى ثوابت أخوية حكمت العلاقات المصرية - اللبنانية على الدوام، تحت عنوان الحفاظ على وحدة لبنان، وتعزيز مؤسساته الشرعية، وترسيخ العيش المشترك بين جميع أبنائه من دون استثناء.
وأشار، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن هذه الثوابت دفعت حكومة النحاس باشا عام 1944 إلى ممارسة ضغوط على فرنسا لإجلاء قواتها عن لبنان واستكمال استقلاله، كما دفعت الرئيس جمال عبد الناصر، مطلع ستينيات القرن الماضي، إلى التدخل لمنع اندلاع حرب أهلية كادت تعصف بالبلاد. وأضاف أنها كانت أيضًا خلف اتفاق القاهرة عام 1969 الذي أوقف الاشتباكات بين الجيش اللبناني والمقاومة الفلسطينية، كما تجلت في النداء الشهير الذي أطلقه الرئيس أنور السادات عام 1976 تحت عنوان "ارفعوا أيديكم عن لبنان"، في محاولةٍ لوقف الحرب الأهلية.
ولفت الرز إلى أن الجهود المصرية تواصلت لاحقًا من خلال المساهمة في انعقاد مؤتمر القاهرة للوفاق اللبناني عام 1988، الذي مهد بعد عامٍ واحد لاتفاق الطائف، الذي كرّس السلم الأهلي وتحوّل إلى مرجعية دستورية أساسية في لبنان.
وأوضح أن مصر لم تنقطع يومًا عن مساندة لبنان، مشيرًا إلى أنها تصدرت المساعدات العربية والدولية، ولا سيما بعد انفجار مرفأ بيروت، حين وجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بإقامة جسور جوية لإغاثة اللبنانيين وتقديم مساعدات واسعة النطاق.
وأضاف الرز أن القاهرة واصلت اهتمامها بالملف اللبناني خلال السنوات الأخيرة، فاستقبل الرئيس السيسي رئيس مجلس النواب نبيه بري، ودعا المسؤولين اللبنانيين إلى تقديم المصلحة الوطنية على المصالح الخاصة، كما استقبل قائد الجيش آنذاك والرئيس الحالي جوزاف عون، وقرر دعم المؤسسة العسكرية اللبنانية وتعزيز دورها باعتبارها العمود الفقري للمؤسسات الوطنية.
وأشار إلى أن مصر، رغم انشغالها بملف غزة، لم تغب عن متابعة تداعيات الحرب على لبنان، فكانت شريكًا أساسيًا في الجهود الرامية إلى الحد من انعكاساتها، سواء من خلال مشاركة سفيرها في اللجنة الخماسية أو عبر لجنة الميكانيزم، إضافة إلى دورها المستمر في محاولة إخراج لبنان من دائرة المشاريع والخطط الإسرائيلية.
وكشف الرز أن القاهرة ساهمت مباشرة في التوصل إلى وقف إطلاق النار خلال جولة التصعيد في تشرين الثاني 2024، كما أوفدت، قبل اندلاع الحرب الحالية، عددًا من المسؤولين إلى بيروت، بينهم رئيس المخابرات العامة ووزير الخارجية ورئيس الحكومة المصرية. وخلال تلك اللقاءات، طرحت مصر تصورًا لمعالجة قضية حصر السلاح بيد الدولة، لافتًا إلى أن هذا الطرح اعتُبر من أبرز الطروحات التي قُدمت حتى الآن، ويقوم على وضع سلاح حزب الله في مخازن خاصة تُسلم مفاتيحها إلى الجيش اللبناني، بالتوازي مع إقرار استراتيجية دفاع وطني توافقية.
وأضاف أن القاهرة كثفت اتصالاتها عشية الحرب الإسرائيلية على لبنان، استنادًا إلى معلومات كانت بحوزتها بشأن طبيعة المخططات الإسرائيلية، وسعت إلى تجنيب لبنان أي ذرائع يمكن أن تُستخدم لتبرير العدوان.
ورأى الرز أن التطورات اللاحقة أظهرت أن المسار الذي اقترحته مصر يقترب اليوم من الطروحات المتداولة في المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، وكذلك من بعض المبادرات الدولية الأخرى، وفي مقدمها المسعى الفرنسي، إذ يقوم جوهره على حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، ووقف إطلاق النار، وانسحاب إسرائيل الكامل، والتوافق على استراتيجية دفاع وطني.
وختم بالتأكيد أن التجارب التي مر بها لبنان أثبتت أن الحلول الخارجية لم تنجح في إخراجه من أزماته، معتبرًا أن مشاريع الفيدرالية أو الكونفدرالية أو التقسيم أو حكم الحزب الواحد والطائفة الواحدة، كما الطروحات التدويلية، لم تشكّل يومًا مخرجًا حقيقيًا، وأن الحل العربي الوطني العادل يبقى السبيل الأنجع لمعالجة الأزمة اللبنانية، ولا سيما إذا انطلق من القاهرة.
وفي المحصلة، تبقى المساعي المصرية من أبرز التحركات العربية المطروحة على الساحة اللبنانية، خصوصًا أن القاهرة تسعى إلى حل ملف يُعدّ من أكثر الملفات حساسية في لبنان.
إلا أن نجاح هذه المساعي سيبقى مرتبطًا بمدى استعداد الأطراف المعنية لتقديم التنازلات، وبقدرتها على تحويل الطروحات السياسية إلى خطوات عملية تؤدي فعليًا إلى حلحلة الأزمة اللبنانية، وتعزيز سيادة الدولة، وترسيخ الأمن والاستقرار.