يعكس بيان المجلس السياسي للتيار الوطني الحر مقاربة سياسية تنتقد أداء السلطة اللبنانية في ملف التفاوض مع إسرائيل، إذ يحملها مسؤولية الغموض في إدارة هذا المسار وغياب استراتيجية وطنية شاملة للأمن والدفاع، معتبرا أن هذا العجز يمنح إسرائيل هامشا لتكريس وقائع ميدانية جديدة.
ويجمع الخطاب بين تأييد مبدئي للتفاوض ورفع سقف الاعتراض على نتائجه، في مقاربة تضع السلطة في موقع القصور الدائم.
غير أن هذا الطرح يفتح تساؤلات حول ما الذي يريده التيار تحديدا من السلطة في مسار المفاوضات، وهل يسعى إلى إعادة إحياء نغمة الاستراتيجية الدفاعية إلى التداول من جديد؟
تعليقا على البيان الصادر عن المجلس السياسي للتيار الوطني الحر، رأى الكاتب والمحلل السياسي جورج حايك، أن التيار يحاول الإيحاء بأن رئيسه النائب جبران باسيل يقف في موقع المعارضة الشاملة تجاه مختلف الملفات والأزمات التي تشهدها البلاد، وكأنه منفصل عن الواقع السياسي اللبناني وعن مسؤولياته السابقة والحالية، معتبرا أن هذا الخطاب يسعى إلى تقديم صورة مثالية عن دور التيار، في حين أنه يتجاهل، بحسب تعبيره، جوهر الأزمة اللبنانية ومسبباتها الأساسية.
وقال عبر منصة "بالعربي"، إن المعارضة التي يتبناها التيار الوطني الحر تقوم على التعميم وتغليب العناوين العامة، بما يؤدي عمليا إلى تغطية دور حزب الله وخدمة مشروعه السياسي والعسكري، مشيرا إلى أن التحالف القائم بين الطرفين منذ توقيع اتفاق مار مخايل عام 2006 لا يزال مستمرا، وإن تبدلت بعض العناوين والخطابات السياسية.
وأضاف أن التيار يحاول الإيحاء بأنه يقف في مواجهة أداء حزب الله وسياساته، إلا أنه في الوقت نفسه يعمد إلى توجيه الانتقادات بصورة عامة إلى السلطة اللبنانية وإلى مختلف الأطراف، من دون تحديد المسؤولية الأساسية عما آلت إليه الأوضاع في لبنان، ومن دون تسمية الجهة التي يعتبرها مسؤولة بصورة مباشرة عن تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية.
وأشار حايك إلى أن بيان المجلس السياسي للتيار الوطني الحر ركز على انتقاد السلطة اللبنانية بسبب مسار التفاوض القائم مع إسرائيل، معتبرا أن التيار يحاول المزايدة على الدولة من خلال الحديث عن ضرورة وجود خطة وطنية شاملة واستراتيجية متكاملة للأمن والدفاع، في حين أنه يتجاهل الوقائع الأساسية والأولويات الملحة المرتبطة بالأزمة الراهنة.
وأكد أن البيان أغفل الإشارة إلى أن حزب الله هو الطرف الذي بدأ المواجهة العسكرية الأخيرة مع إسرائيل، وهو الذي استدرج، بحسب رأيه، التطورات التي أدت إلى اتساع رقعة المواجهة في الجنوب اللبناني.
كما اعتبر أن الحزب لا يزال يعرقل الجهود السياسية والدبلوماسية الرامية إلى تثبيت الاستقرار من خلال استمرار العمليات العسكرية والاستفزازات المتبادلة على الحدود.
وشدد حايك على أن الدولة اللبنانية لا تتحمل مسؤولية اندلاع الحرب أو الظروف التي أوصلت الجنوب إلى ما يعيشه اليوم، معتبرا أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق حزب الله، إضافة إلى إيران التي وصفها بأنها الراعي الأساسي لمشروع الحزب وخياراته الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، اتهم حايك التيار الوطني الحر بمحاولة تضليل الرأي العام عبر طرح أفكار عامة لا تعالج جوهر المشكلة، معتبرا أن القضية الأساسية تكمن في استمرار وجود سلاح حزب الله خارج إطار الدولة، رغم القرارات الرسمية اللبنانية التي دعت إلى حصر النشاط العسكري بيد المؤسسات الشرعية.
وأضاف أن البيان تجاهل بشكل واضح القرارات الحكومية التي تدعو إلى وقف النشاط العسكري للحزب وتسليم سلاحه إلى الجيش اللبناني، معتبرا أن التيار يتعمد تهميش هذه الوقائع والتركيز على عناوين فضفاضة تتيح له الاستمرار في تقديم التبريرات السياسية للحزب.
كما انتقد حايك مطالبة التيار بصياغة استراتيجية وطنية شاملة للأمن والدفاع، معتبرا أن هذا الطرح يتقاطع مع ما يطالب به حزب الله منذ سنوات تحت عنوان الاستراتيجية الدفاعية، في وقت دخل فيه لبنان، بحسب رأيه، مرحلة مختلفة تتطلب تنفيذ النصوص الدستورية والقرارات الرسمية القائمة بدلا من إعادة طرح شعارات سبق استخدامها لتبرير استمرار السلاح خارج سلطة الدولة.
وأوضح أن الدستور اللبناني واضح في رفض وجود الميليشيات المسلحة خارج إطار المؤسسات الشرعية، مشيرا إلى أن مختلف التنظيمات اللبنانية التزمت سابقا بتسليم أسلحتها، باستثناء حزب الله الذي لا يزال، بحسب قوله، يرفض الالتزام بالقرارات الدولية واللبنانية الداعية إلى حصر السلاح بيد الدولة.
واعتبر حايك أن التيار الوطني الحر لا يزال يتجاهل هذه الحقائق الأساسية، ويستمر في تمييع النقاش حول جوهر الأزمة اللبنانية، مشيرا إلى أن التيار يشهد تراجعا شعبيا نتيجة مواقفه السياسية ومقاربته لملف سلاح حزب الله، على حد تعبيره.
وأضاف أن التيار لا يزال يشكل جزءا من منظومة الدولة العميقة التي تمتنع عن معالجة أصل المشكلة المتمثلة بسلاح حزب الله وبمصادرة قرار السلم والحرب من الدولة اللبنانية، معتبرا أن الدولة اتخذت خيار التفاوض والسعي إلى تثبيت السلام والاستقرار، وأن المطلوب منها اليوم ممارسة المزيد من الحزم في تطبيق قراراتها المتعلقة بحصر السلاح بيد الجيش اللبناني.
ورأى أن استمرار شخصيات سياسية، وفي مقدمتها النائب جبران باسيل، في اعتماد خطاب يبتعد عن جوهر المشكلة يؤدي إلى منح حزب الله مزيدا من الوقت والغطاء السياسي للاستمرار في مشروعه، بحسب توصيفه، وفي تعزيز نفوذه وهيمنته داخل لبنان.
وطرح حايك تساؤلات حول المرحلة التي تولى خلالها الرئيس السابق ميشال عون والتيار الوطني الحر مواقع السلطة، سائلا عن الأسباب التي حالت دون وضع استراتيجية وطنية شاملة للأمن والدفاع خلال تلك الفترة. واعتبر أن من يطالب اليوم بهذه الاستراتيجية كان يملك سابقا فرصة تطبيقها عندما كانت السلطة التنفيذية بين يديه، متسائلا عما إذا كان السبب يعود إلى استمرار توفير الغطاء السياسي لحزب الله ومنح الشرعية لسلاحه خلال تلك المرحلة.
على أي حال، يواصل التيار الوطني الحر اعتماد مقاربة سياسية تقوم على تحميل الآخرين مسؤولية الأزمات المتراكمة، متجاهلا دوره المركزي في السلطة ومشاركته المباشرة في صناعة القرار منذ ما قبل وصول الرئيس ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية. ويعكس هذا الخطاب ميلا ثابتا إلى تبرير الإخفاقات بدل مراجعتها، حيث تنقل المسؤولية إلى الخارج فيما تغيب المحاسبة الذاتية عن تجربة سياسية كان التيار أحد أبرز أركانها وصناع مسارها.