June 03, 2026   Beirut  °C
سياسة

رولان خاطر: قطر دخلت على خط الوساطة وبري يراهن على دورها

بعد حربَي الإسناد المدمرتين اللتين خاضهما حزب الله، لا يزال موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري يثير تساؤلات واسعة في الأوساط السياسية والإعلامية.

فعلى الرغم من المؤشرات التي توحي بعدم رضاه عن بعض خيارات الحزب خلال المرحلتين الماضية والحالية، فإن مواقفه العلنية ما زالت تتسم بالحذر، من دون أن تترجم إلى مبادرة سياسية حاسمة من شأنها المساهمة في إنقاذ الجنوب وأهله من تداعيات الحرب.

وفي ظل استمرار إسرائيل في استهداف المدن والقرى الجنوبية بالقصف والتدمير والتهجير، تتزايد التساؤلات حول الدور الذي يمكن أن يؤديه بري بوصفه أحد أبرز ممثلي البيئة الجنوبية والشيعية في لبنان.


فهل ما زال يراهن على التسويات والاتصالات الدبلوماسية، أم أن المرحلة الراهنة تستدعي موقفًا أكثر وضوحًا وحزمًا لوقف النزيف المستمر في الجنوب؟


وفي قراءة لمواقف بري، أكد الكاتب الصحافي رولان خاطر أن موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري ينطلق من اعتبارات سياسية ووطنية تتصل بمسيرته الطويلة في دعم الجنوب اللبناني وإعادة إعماره، مشيرًا إلى أن بري يُعد من أكثر الشخصيات السياسية ارتباطًا بملف الجنوب، سواء من خلال الجهود التي بذلها على مدى سنوات أو عبر الدور الذي اضطلع به مجلس الجنوب في تنفيذ مشاريع الإعمار والتنمية.


وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن أي تطورات أو ضغوط تستهدف هذا المسار تترك أثرًا معنويًا على الرئيس بري، إلا أنه في الوقت نفسه لا يرغب في الوصول إلى حالة من الاشتباك الداخلي قد تؤدي إلى إعادة البلاد خطوات إلى الوراء وإحياء انقسامات تجاوزها اللبنانيون في مراحل سابقة.


وفي ما يتعلق بعلاقة بري بحزب الله، أشار خاطر إلى وجود تباينات في وجهات النظر بين الطرفين بشأن عدد من الملفات والقضايا، موضحًا أن رئيس المجلس النيابي أبدى في أكثر من مناسبة تحفظات على مسارات التصعيد والحرب، وأنه يفضل مقاربات مختلفة تقوم على تجنب الانزلاق إلى مواجهات واسعة النطاق.


وأضاف أن المرحلة الأخيرة شهدت ضغوطًا أميركية متزايدة على الرئيس بري لدفعه نحو ممارسة المزيد من الضغوط على حزب الله، لافتًا إلى أن تسريبات صدرت عن الإدارة الأميركية خلال الأيام الماضية تحدثت عن عدم استبعاد فرض عقوبات على بري شخصيًا.


وأشار إلى الاتصالات السياسية والدبلوماسية التي أجراها مؤخرًا مستشار بري علي حمدان، مستشهدًا بما أورده موقع "إكسيوس" عن تحركات واتصالات أجراها رئيس المجلس هدفت إلى دفع حزب الله نحو التهدئة والحد من التصعيد، وهو ما لقي اهتمامًا من جانب الإدارة الأميركية التي كانت حريصة على عدم تعقيد المشهد اللبناني في ظل انشغال الرئيس دونالد ترامب بمسار المفاوضات المرتبطة بإيران.


ورأى أن مواقف بري الحالية لا يمكن فصلها عن حرصه على الحفاظ على وحدة الساحة الشيعية، رغم وجود تباينات بدأت تتضح تدريجيًا، متوقعًا أن تتسع مساحة الاختلاف في بعض الملفات خلال المرحلة المقبلة.


وفي سياق متصل، تناول خاطر زيارة المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب النائب علي حسن خليل إلى دولة قطر، موضحًا أن العلاقة بين بري والقيادة القطرية تمتد إلى سنوات طويلة، وأن الدوحة لعبت أدوارًا مهمة في دعم لبنان والمساهمة في إعادة إعمار الجنوب بعد حرب تموز عام 2006.


وأكد أن قطر تمتلك موقعًا مؤثرًا على المستويين العربي والدولي، وتحظى بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة، ما يجعلها قادرة على أداء دور فاعل في الملفات المرتبطة بوقف إطلاق النار والجهود الدبلوماسية الرامية إلى تثبيت الاستقرار.


وأضاف أن التحرك القطري يأتي بالتوازي مع سلسلة اتصالات ومواقف سياسية أطلقها مستشار بري علي حمدان، إلى جانب مواقف صدرت عن بري شخصيًا في صحيفة "نيويورك تايمز"، وتركز جميعها على ضرورة ضمان وقف إطلاق النار وفتح المجال أمام مسار سياسي يفضي إلى حلول مستدامة.


وأشار خاطر إلى أن القيادة القطرية باشرت بالفعل اتصالاتها مع الجانب الأميركي سعيًا إلى التوصل إلى تسوية تضمن وقف العمليات العسكرية وتهيئة الظروف لعودة المسار السياسي، معتبرًا أن هناك رهانًا واضحًا على الدور القطري نظرًا إلى حجم تأثيره وعلاقاته الإقليمية والدولية.


وأوضح أن التحركات الدبلوماسية التي يقودها الرئيس بري تتم عبر أكثر من قناة، تشمل الاتصالات مع الأطراف الأميركية والإيرانية والقطرية، بهدف خلق أرضية مشتركة تسمح بخفض التوتر ومنع انزلاق الأوضاع نحو مزيد من التصعيد.


وأشار خاطر إلى أن نجاح هذه الجهود سيبقى مرتبطًا بمدى التزام مختلف الأطراف بالتفاهمات المحتملة، لا سيما حزب الله الذي أعلن تنصله من وقف إطلاق النار، لافتًا إلى أن الساعات والأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد اتجاه الأحداث، وأن الميدان سيبقى عاملًا أساسيًا في رسم ملامح المرحلة المقبلة وتحديد فرص تثبيت أي اتفاق لوقف إطلاق النار أو الانتقال إلى مسار سياسي أكثر استقرارًا.


وفي انتظار ما ستفضي إليه الاتصالات والمساعي السياسية الجارية، تبقى الأنظار متجهة نحو الرئيس نبيه بري، الذي لطالما عُرف بقدرته على تدوير الزوايا وتفكيك العقد في اللحظات المفصلية. فمع تفاقم المأساة التي يعيشها الجنوب وأهله تحت وطأة الحرب والدمار والتهجير، يراهن كثيرون على أن يوظف بري ثقله السياسي وعلاقاته الداخلية والخارجية لـ"إخراج الأرنب من القبعة" مجددًا، والمساهمة في بلورة مخرج يضع حدًا للنزيف المستمر ويفتح الباب أمام مرحلة من التهدئة والاستقرار طال انتظارها.