أما وقد انتهى اليوم المنتظر لجلسة المفاوضات الأمنية بين لبنان وإسرائيل، فإن الأنظار تتجه إلى 2 حزيران المقبل، حيث تستكمل المحادثات في شقها السياسي بين الجانبين، وسط تصعيد إسرائيلي ميداني غير مسبوق يواصل خلاله الجيش الإسرائيلي تحقيق تقدم ملحوظ في جنوب لبنان، لا سيما في منطقة شمال الليطاني.
وفيما تركزت المفاوضات العسكرية التي عقدت في البنتاغون على سلاح حزب الله وآليات تثبيت وقف إطلاق النار، مارس الجانب الأميركي ضغوطا للحصول على إجابات واضحة من الوفد اللبناني بشأن قدرات الجيش وانتشاره جنوبا، بالتوازي مع بحث إنشاء آلية أمنية موسعة بإشراف أميركي لمنع الخروقات وتعزيز التنسيق الميداني بين لبنان وإسرائيل.
في هذا الإطار، قال النائب الجمهوري السابق وأستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج ماسن الدكتور دايفيد رمضان إن المعطيات المتعلقة بالاجتماع الأمني المنعقد حاليا في واشنطن لا تزال غير واضحة، مشيرا إلى أن ما يتوافر حتى الآن لا يتعدى إطار التحليلات العامة، في ظل غياب معلومات دقيقة أو نتائج رسمية يمكن البناء عليها.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن أي قراءة للمشهد تبقى صعبة في هذه المرحلة، لأن مسار الأمور مرتبط مباشرة بما ستفضي إليه الاجتماعات القائمة، لافتا إلى وجود احتمالات عدة، إلا أن الحديث عن نتائج حاسمة يبقى مبكرا قبل صدور مؤشرات واضحة من اللقاءات الأمنية والسياسية الحالية.
وأشار رمضان إلى أن الولايات المتحدة كانت ولا تزال تسعى إلى الفصل بين ملف المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية وبين المفاوضات المتعلقة بإيران، معتبرا أن طهران تحاول، في المقابل، ربط المسارين ببعضهما البعض، الأمر الذي يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي ويؤثر على فرص التوصل إلى تفاهمات سريعة.
وفي ما يتعلق بالمفاوضات الأمنية، رأى أن الطرف الأكثر تعويلا عليها هو لبنان، وليس الولايات المتحدة أو إسرائيل، موضحا أن الإدارة الأميركية هي الراعية لهذه المفاوضات وليست الطرف المحتاج إليها بشكل مباشر، بينما تسعى إسرائيل إلى تحقيق مصالحها الميدانية والأمنية وفق رؤيتها الخاصة.
وأكد رمضان أن لبنان يأمل من خلال هذه المفاوضات في الحد من العمليات العسكرية الإسرائيلية، إضافة إلى الحصول على دعم أميركي ودولي للجيش اللبناني، مشددا، في المقابل، على أن جوهر الأزمة يبقى سياسيا أكثر منه عسكريا، وأن القرار الأساسي سيتحدد في إطار التفاوض السياسي وليس عبر الترتيبات الأمنية وحدها.
وحول ما يُتداول عن احتمال تشكيل قوة عسكرية ثلاثية تضم الجيش الأميركي والجيش الإسرائيلي والجيش اللبناني، قال إن هذا الطرح يعد واحدا من الأفكار المطروحة، إلا أن تنفيذه مرتبط بما يمكن أن تتوصل إليه الأطراف المعنية من تفاهمات، موضحا أن لبنان يواجه مشكلتين أساسيتين، تتمثل الأولى باستمرار الوجود الإسرائيلي، فيما تتعلق الثانية بواقع الجيش اللبناني الذي يعلن بنفسه عدم قدرته على تحمل كامل الأعباء المطلوبة في هذه المرحلة. وقال إن انتهاء ولاية القوة الدولية (اليونيفيل) نهاية العام الحالي يفتح الباب أمام البحث في صيغ جديدة، قد تكون ثلاثية أو رباعية أو متعددة الأطراف، وفق ما تقتضيه التطورات السياسية والميدانية.
وفي ما خص ملف سلاح حزب الله، شدد رمضان على أنه لا يمكن وضع الولايات المتحدة وإسرائيل في خانة واحدة في مقاربة الملف اللبناني، موضحا أن واشنطن تريد الفصل بين لبنان وإيران، بينما تسعى طهران إلى الربط بين الملفين.
وأشار إلى أن التقارير المتداولة حول إمكان التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار، يشمل لبنان، لا تزال ضمن إطار التسريبات الإعلامية وغير المؤكدة، لافتا إلى أن ما يحصل حاليا بين الولايات المتحدة وإيران لا يرقى بعد إلى مستوى الاتفاق النهائي، بل يندرج ضمن إطار تفاهمات أولية أو خطوط عريضة عامة.
وقال رمضان إن كثرة التسريبات والتقارير المتناقضة تجعل من الصعب الجزم بمسار الأمور، مؤكدا أن الولايات المتحدة لا تزال ترفض ربط الملف اللبناني بالمفاوضات الإيرانية، وكذلك إسرائيل، إلا أن الطرفين ليسا على الموقف نفسه بالكامل سواء في الملف اللبناني أو في الملف الإيراني.
وأكد أن المشهد الحالي يضم 4 أطراف رئيسية، هي الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران ولبنان، ولكل طرف حساباته ورؤيته المختلفة، معتبرا أن قدرة كل جهة على تحقيق أهدافها ستتحدد في نهاية المطاف على طاولة المفاوضات.
ويبقى لبنان أمام مرحلة دقيقة تتجاوز البعد الأمني نحو رهانات سياسية كبرى ستحدد مستقبل الجنوب والاستقرار الداخلي. وبين الضغوط الأميركية والتصعيد الإسرائيلي والحسابات الإيرانية، تبدو طاولة المفاوضات وحدها القادرة على رسم ملامح المرحلة المقبلة، وسط ترقب لما ستحمله جلسة المفاوضات السياسية المنتظرة في 2 حزيران المقبل.