في الوقت الذي يخوض فيه لبنان مفاوضات مصيرية مع إسرائيل في واشنطن، من خلال جلسة المسار الأمني التي عقدت أمس (الجمعة) تمهيدا لجلسة المفاوضات السياسية الرسمية المقرر انعقادها في 2 حزيران المقبل، يعود الاهتمام الفرنسي بالملف اللبناني إلى الواجهة مجددا عبر الزيارة المرتقبة التي سيقوم بها المبعوث الرئاسي جان إيف لودريان إلى بيروت خلال الأسبوع المقبل، والتي ستليها زيارة وزيرين فرنسيين، من بينهما وزيرة الدولة الفرنسية لشؤون الدفاع.
وفي خضم هذه المحادثات المباشرة القائمة في واشنطن، تبرز تساؤلات حول مغزى التحرك الفرنسي في هذا التوقيت بالذات، لا سيما وأنه يأتي تحت عناوين عريضة من بينها بحث مرحلة ما بعد قوات اليونيفيل، والتأكيد على عدم نية باريس ترك لبنان وحيدا في مواجهة القرارات الأميركية والإسرائيلية المتصلة بالملف اللبناني.
واللافت، في هذا السياق، أن الزيارات الفرنسية المرتقبة ستتبعها، وفقا للمعلومات، زيارة سيقوم بها الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت، ما يفتح الباب أمام تساؤلات إضافية حول مدى تناغم الحركتين الفرنسية والسعودية، ويطرح علامات استفهام حول طبيعة الرسائل التي قد ينقلها الجانبان إلى المسؤولين اللبنانيين، في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة عموما وجنوب لبنان على وجه الخصوص.
في سياق تحليلها للموقف الفرنسي من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل ودور باريس في المرحلة الراهنة على صعيد الملف اللبناني، أفادت الأستاذة في جامعة "IPAG" - باريس والكاتبة في "Revue Politique et Parlementaire" مايا خضرا بأن فرنسا حاولت بعد وقف إطلاق النار في العام 2024، أن تعيد تفعيل حضورها داخل الآليات الدولية المتعلقة بلبنان، حيث سعت إلى أن تكون طرفا في لجان المتابعة "الميكانيزم"، في مقابل هيمنة أميركية واضحة على هذا الملف. وقالت إن الدور الأميركي كان في مراحل عدة هو الأكثر تأثيرا، نظرا للعلاقة الوثيقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ما جعل واشنطن اللاعب الأبرز في أي ترتيبات تتعلق بلبنان. في المقابل، حاولت فرنسا أن تقدم نفسها كحلقة وصل تقليدية بحكم علاقاتها التاريخية مع لبنان، وسعت إلى استعادة دورها كوسيط أو شريك في إدارة الملفات الحساسة، إلا أن هذا الدور اصطدم في أكثر من محطة برفض أو تحفظ إسرائيلي.
وأشارت عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن فرنسا دأبت على محاولة تسجيل حضور في اللحظات الأخيرة من الاستحقاقات اللبنانية، سواء في اتفاقات وقف إطلاق النار أو في الاستحقاقات السياسية الكبرى، مثل انتخاب رئيس الجمهورية جوزاف عون، لافتة إلى أن باريس أعلنت في مراحل مختلفة دعمها لترشيح عون، على الرغم من أنها كانت في فترات سابقة تميل بشكل غير مباشر إلى دعم الوزير السابق سليمان فرنجية، ما يعكس، بحسب تعبيرها، تغيرا في مقاربة السياسة الفرنسية تبعا للظروف.
وفي هذا السياق، رأت خضرا أن الدور الفرنسي لا يقوم على استراتيجية واضحة بقدر ما يتأثر بالتحولات الدولية والإقليمية، وبمحاولة فرنسا الحفاظ على مساحة نفوذها في ظل التنافس مع الولايات المتحدة، مشيرة إلى أن باريس حاولت في مراحل معينة ربط الملف اللبناني بالمفاوضات الأميركية الإيرانية، في وقت شدد فيه المسؤولون اللبنانيون على رفض هذا الربط والتأكيد على أن لبنان يتفاوض باسم سيادته الوطنية.
ولفتت إلى أن هذا التوجه الفرنسي يرتبط أيضا بطبيعة الإدارة السياسية في باريس، وبالنهج الذي تتبعه وزارة الخارجية الفرنسية وأجهزتها الدبلوماسية التقليدية، حيث تسعى فرنسا إلى استعادة دور تاريخي تعتبر أنه تراجع لصالح الولايات المتحدة، معتبرة، في المقابل، أن هذا السعي لا يخلو من غموض في المواقف، خصوصا بعد التحولات التي أعقبت أزمة تفجير مرفأ بيروت في العام 2020، والزيارة الشهيرة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان.
وتطرقت خضرا إلى ملف إعادة إعمار مرفأ بيروت، مشيرة إلى أن تكليف شركة مقربة من ماكرون بهذه المهمة أثار جدلا سياسيا، خصوصا في ظل تعقيدات العلاقة مع القوى اللبنانية المختلفة.
كما تحدثت عن لقاءات جمعت الرئيس الفرنسي مع رئيس كتلة حزب الله النائب محمد رعد، وما رافقها من انتقادات حول محاولة باريس تعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي في لبنان عبر بوابة إعادة الإعمار.
وفي ما يتعلق بالعلاقة مع إيران، أوضحت خضرا أن فرنسا كانت من الدول الأوروبية التي أبدت تحفظا على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في العام 2018، نظرا لارتباطات اقتصادية وتجارية واسعة بين باريس وطهران، شملت شركات كبرى في مجالات الصناعة والطاقة. وقالت إن فرنسا سعت إلى الحفاظ على قنوات تواصل مع إيران، في محاولة لتفادي التصعيد ولحماية مصالحها الاقتصادية.
كما أشارت إلى أن هذا الانفتاح الفرنسي على إيران يفسره البعض أيضا باعتبارات أمنية وتاريخية، مرتبطة بتجارب سابقة شهدت فيها فرنسا تهديدات إيرانية أمنية داخلية وخارجية، لا سيما الهجوم الذي استهدف القوات الفرنسية في بيروت في العام 1983، ما اضطرها للرضوخ إلى ما وصفته بـ "الابتزاز الإيراني" واعتماد سياسات أكثر مرونة في التعامل مع الملفات المتعلقة بإيران وحزب الله، ارتفعت بشكل أكبر في عهد الرئيس إيمانويل ماكرون.
وفي سياق متصل، تطرقت خضرا إلى زيارة مرتقبة للموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت، معتبرة أن هذه الزيارة تأتي في إطار متابعة التطورات المرتبطة بالمفاوضات القائمة بين لبنان وإسرائيل، وبالتنسيق مع التحركات الدولية والإقليمية. وأوضحت أن طبيعة الرسائل التي سيحملها الموفد السعودي ستتحدد بناء على مسار التفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران، وما إذا كان سيُتوصل إلى اتفاق أو إطار تفاهم جديد.
وقالت إن المقاربة السعودية للملف اللبناني تقوم على دعم استقرار الدولة اللبنانية، والتشديد على مسألة وقف إطلاق النار، إلى جانب دعم الحكومة اللبنانية، مع استمرار التأكيد على أهمية معالجة ملف السلاح خارج إطار الدولة، مشيرة إلى أن السعودية لا تزال ترفض الانخراط في مسار التطبيع المباشر مع إسرائيل في هذه المرحلة، على الرغم من اختلاف مقاربتها عن بعض الدول العربية الأخرى منها الإمارات.
ولفتت خضرا إلى أن التحركات السعودية والفرنسية تصب في اتجاه واحد من حيث المبدأ، وهو دعم الاستقرار في لبنان، ونزع سلاح الحزب، إضافة إلى وقف إطلاق النار، مؤكدة ثقتها بحرص المملكة العربية السعودية على سيادة لبنان واستقراره. إلا أنها، في المقابل، شددت على أن مصلحة لبنان اليوم تتخطى الإجماع العربي في موضوع التفاوض المباشر مع إسرائيل بعيدا عن التأثر بأي عامل إقليمي.
وبينما تتكثف الاتصالات والزيارات تحت عناوين عدة، يبقى العامل الحاسم مرتبطا بمآلات المفاوضات القائمة في واشنطن، وما قد تفرزه من نتائج تنعكس مباشرة على الساحة اللبنانية. وفي هذا السياق، يبقى لبنان في موقع يتأثر أكثر مما يبادر، بانتظار اتضاح الصورة النهائية للترتيبات الإقليمية المقبلة بين الولايات المتحدة وإيران.