May 30, 2026   Beirut  °C
سياسة

حسن جوني: الحديث عن دور للجيش يعني دخول مرحلة تنفيذ الـ 1701 فعليا

تتجه الأنظار إلى واشنطن، حيث يشارك الوفد العسكري والأمني اللبناني في مفاوضات حساسة مع الجانب الإسرائيلي، قبل أيام من استكمال مسارها السياسي.

وتسعى الولايات المتحدة، وفق مراقبين، إلى تكريس ترتيبات أمنية جديدة في جنوب لبنان، تقوم على تعزيز دور الجيش اللبناني وضبط الحدود وتنفيذ القرار 1701، وسط حديث متزايد عن آلية أو قوة تنسيق ثلاثية تضم واشنطن وإسرائيل والجيش اللبناني.

غير أن هذه الطروحات تثير تساؤلات داخلية واسعة حول قدرة لبنان على تحمل أي مسار أمني أو عسكري جديد، وما قد يترتب عليه من تداعيات سياسية وشعبية في ظل الانقسام الداخلي والتوتر الإقليمي المتصاعد.

وفي قراءة للنوايا الأميركية على الصعيد العسكري تجاه لبنان، لا سيما بعد إصرار واشنطن على أن تتقدم المفاوضات الأمنية على السياسية، اعتبر الخبير العسكري والاستراتيجي والأستاذ الجامعي في العلوم السياسية العميد الركن المتقاعد الدكتور حسن جوني أن زيارة الوفد الأمني اللبناني إلى واشنطن تأتي في توقيت بالغ الحساسية، في ظل التصعيد السياسي والعسكري الذي يشهده الجنوب، وارتباط الملف اللبناني بشكل مباشر بالمفاوضات الإقليمية القائمة، لا سيما المفاوضات الأميركية – الإيرانية، موضحا أن الولايات المتحدة تسعى من خلال هذه الزيارة إلى إدخال الجيش اللبناني بصورة أوسع في العملية التفاوضية والأمنية المرتبطة بالجنوب اللبناني. وأشار إلى أن الحديث عن دور للجيش في هذه المرحلة يعني عمليا الانتقال إلى خطوات إجرائية وميدانية تتعلق بآليات تنفيذ القرار 1701، وإعادة ترتيب الواقع الأمني جنوب لبنان.


وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن واشنطن تدفع باتجاه ما تسميه إسرائيل "نزع السلاح"، فيما تعتمد الدولة اللبنانية تعبير "حصرية السلاح بيد الدولة"، معتبرا أن العنوانين يبدوان متشابهين، إلا أن المقاربتين تختلفان بصورة جوهرية. فالدولة اللبنانية، بحسب جوني، تربط هذا المسار بمشروع بناء دولة قوية تمتلك جيشا قادرا على الدفاع والحماية، بينما تنظر إسرائيل إلى المسألة من زاوية أمنية بحتة تقوم على إنهاء أي قوة يمكن أن تشكل تهديدا عسكريا لها في المستقبل.


وقال إن فلسفة حصرية السلاح التي طرحها رئيس الجمهورية جوزاف عون في خطاب القسم تستند إلى فكرة انتقال مسؤولية الحماية والدفاع إلى مؤسسات الدولة اللبنانية، بعد سنوات طويلة لعب خلالها حزب الله أدوارا مرتبطة بضعف الدولة وغيابها عن بعض المناطق، موضحا أن هذه المقاربة تقوم على بناء استراتيجية أمن وطني يكون الجيش اللبناني محورها الأساسي، بما يكرس مفهوم الدولة الواحدة صاحبة القرار الأمني والعسكري.


وفي المقابل، رأى جوني أن إسرائيل تتعامل مع الملف من منظور مختلف تماما، يقوم على محاولة كسر الحزب وإنهاء قدراته العسكرية والسياسية، معتبرا أن إسرائيل لا تريد فقط إنهاء أي تهديد أمني مباشر، بل تسعى أيضا إلى إضعاف لبنان ومنعه من امتلاك عناصر قوة مستقبلية.


وأكد أن الولايات المتحدة تحاول الاستفادة من الضغط العسكري الإسرائيلي القائم من أجل الدفع نحو تفاهمات أمنية جديدة، قد تشمل إنشاء آلية أو لجنة أمنية تجمع الجيشين اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية، بهدف تثبيت ترتيبات أمنية طويلة الأمد في الجنوب، موضحا أن الوفد اللبناني سيطرح، في المقابل، مسألة إعادة بسط سلطة الدولة وانتشار الجيش اللبناني على كامل الأراضي الجنوبية، بما يؤدي إلى حصر أي نشاط عسكري أو أمني بيد المؤسسات الرسمية اللبنانية.


وأشار جوني إلى أن لبنان قد يسعى، عبر هذه المفاوضات، إلى تقديم ضمانات أمنية تتعلق بمنع أي عمليات عسكرية أو إطلاق صواريخ من الأراضي اللبنانية باتجاه إسرائيل، مقابل انسحاب إسرائيلي أوسع وتطبيق تفاهمات وقف إطلاق النار واتفاقية الهدنة، مع بعض التعديلات التي تفرضها التطورات الميدانية الأخيرة، معتبرا أن المسار التفاوضي الحالي يسير على حافة الهاوية، نظرا إلى حجم الانقسام الداخلي اللبناني حول هذه الملفات الحساسة. وتحدث عن وجود حالة من التوتر السياسي والتخوين المتبادل بين القوى اللبنانية بشأن مستقبل السلاح ودور الحزب والجيش والدولة.


كما شدد على أن ما يحصل في لبنان لا يمكن فصله عن المفاوضات الأميركية - الإيرانية، معتبرا أن مصير عدد من التفاهمات المطروحة يرتبط بشكل مباشر بمسار العلاقة بين واشنطن وطهران خلال المرحلة المقبلة.


ورأى جوني أن نجاح أي ترتيبات أمنية جديدة يبقى مرتبطا بموقف حزب الله، موضحا أن أي محاولة لفرض نزع السلاح بالقوة قد تؤدي إلى صدام داخلي خطير، خصوصا وأن الحزب أعلن أكثر من مرة رفضه لهذا الخيار. لكنه أشار، في الوقت نفسه، إلى إمكان الوصول إلى تفاهمات غير معلنة، قد تحصل عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري، تسمح بتسهيل انتشار الجيش اللبناني وتطبيق بعض البنود الأمنية بصورة تدريجية.


وأكد أن هناك فارقا واضحا بين الخطاب السياسي العلني والمقاربات الواقعية التي تحصل خلف الكواليس، موضحا أن بعض القوى التي تعلن رفضها للتفاوض المباشر، من بينها الرئيس بري، تبدو عمليا منخرطة في مسارات تفاوضية غير مباشرة مرتبطة بوقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية.


وفي ما يتعلق ببيئة حزب الله وموقفها من إيران، قال جوني إن المشهد بات أكثر تعقيدا بعد الحرب الأخيرة وما رافقها من دمار واسع في الجنوب والضاحية الجنوبية، موضحا أن قسما من جمهور الحزب لا يزال متمسكا بتحالفه العقائدي والسياسي مع إيران، ويعتبر أن الدولة اللبنانية لم تقدم الحماية الكافية خلال الحرب، فيما ظهرت في المقابل فئات أخرى في داخل الطائفة الشيعية فقدت ثقتها بطهران. واعتبر أنها لم تمارس ضغطا كافيا لوقف التصعيد الإسرائيلي وأنها تخلت عن جنوب لبنان لا سيما خلال فترة مفاوضاتها مع الولايات المتحدة.


وقال إن شريحة من تلك البيئة باتت تشكك أيضا بقدرة حزب الله العسكرية على توفير الحماية كما في السابق، خصوصا بعد حجم الدمار الكبير الذي طال القرى والبنى التحتية والمساجد والحسينيات والمقابر، معتبرا أن إسرائيل اعتمدت خلال الحرب سياسة "التوحش بالتدمير" واستهداف الهوية الاجتماعية والمعنوية للبيئة الجنوبية، في ظل غياب أي رادع دولي فعلي يوقف العمليات العسكرية أو يفرض تطبيق القوانين الدولية والإنسانية.


وفي انتظار ما ستؤول إليه المفاوضات الأمنية، ولاحقا السياسية، يبقى المشهد الميداني بالغ الخطورة في ظل الدمار الهائل الذي يطال بلدات وقرى ومدن الجنوب، بالتوازي مع التقدم العسكري الإسرائيلي على الأرض وسقوط المزيد من القرى، وآخرها دبين، في يد الوجود الإسرائيلي الذي بات على تخوم مدينة النبطية. ويعزز هذا الواقع من الشروط الإسرائيلية على طاولة المفاوضات ويرفع سقفها، في مقابل عجز لبناني عن مواجهتها أو فرض الإرادة اللبنانية بصورة حاسمة.