عاد الحديث مجددا عن احتمال توسيع الحرب في لبنان، بعد التصعيد الإسرائيلي وعودة الاستهدافات في مناطق عدة وصولا إلى محيط بيروت، تزامنا مع ارتفاع وتيرة التهديدات.
وبحسب بعض المصادر فيستعد الجيش الإسرائيلي خلال الفترة القريبة لتوسيع عملياته العسكرية في لبنان ليس فقط على الجبهة الجنوبية، بل أيضا باتجاه بيروت، مع التركيز على استهداف قيادات حزب الله، بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأميركية، وفق ما يتداول في بعض الأوساط السياسية والإعلامية.
فهل نحن أمام تصعيد مدروس يهدف إلى زيادة الضغط وتحسين شروط التفاوض؟ أم أن المنطقة باتت فعلا أقرب إلى مواجهة أوسع قد تطال بيروت ومناطق أخرى؟
في هذا الإطار، أكد الخبير الاستراتيجي والعسكري العميد الركن المتقاعد الياس حنا أن ما يحصل اليوم ليس مجرد رسائل إعلامية، بل ضغط ميداني حقيقي، موضحا أن إسرائيل ترفع السقف عسكريا بهدف فرض وقائع جديدة وتحسين شروطها السياسية والتفاوضية. واعتبر أن لبنان ذهب إلى واشنطن عسكريا، ثم أمنيا، وبعدها سياسيا، ما يعني أن تل أبيب تسعى إلى تحسين شروطها واكتساب نقاط إضافية في الداخل التفاوضي.
وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن إسرائيل لم تحسم بعد خيار الذهاب إلى حرب شاملة، إلا أن المرحلة الحالية تشهد تصعيدا ضاغطا ومدروسا، لافتا إلى أن توسع ردود حزب الله، لا سيما عبر استخدام المسيرات الانقضاضية التي أزعجت الجيش الإسرائيلي، أو فشل الاحتواء السياسي الأميركي والمفاوضات، قد يدفع سريعا نحو مواجهة أوسع وأكثر خطورة، خصوصا وأن الملف اللبناني يبقى مرتبطا بالتطورات الإقليمية، وأي عودة للتصعيد في المنطقة ستنعكس تلقائيا على لبنان.
وفي ما خص إمكان بقاء المواجهة محصورة في الجنوب، رأى حنا أن ذلك ممكن إلى حد كبير في المدى القريب، مشددا على أن هذا الأمر ليس مضمونا. واستعاد ما حصل في السادس من أيار، حين تُعامل مع بنك أهداف واسع خلال وقت قصير، معتبرا أن هذا السيناريو لا يجب استبعاده من الحسابات.
وأوضح أن إسرائيل، على الرغم من استمرارها حتى الآن بحصر عملياتها في الجنوب، إلا أن هذا الحصر يبقى هشا، ويرتبط بطبيعة ردود حزب الله ومستوى التصعيد الميداني، كما يرتبط أيضا برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يسعى دائما إلى إطالة أمد الحرب بما يساهم في إطالة عمر حكومته السياسي، خصوصا وأن انتهاء الحرب سيعيده إلى أزماته الداخلية والمحاكمة، ما قد يدفعه إلى توسيع بنك الأهداف جغرافيا ونوعيا عند أي ضغط إضافي يتعرض له.
وعن احتمال انتقال الضربات إلى الضاحية الجنوبية أو بيروت، اعتبر حنا أن خيار توسيع الأهداف موجود فعليا، مشيرا إلى أن الضاحية لم تعد خارج الحسابات، خصوصا بعد أحداث السادس من أيار. ولفت، في المقابل، إلى وجود ضغوط أميركية كبيرة لتحييد بيروت وإعطاء فرصة أكبر للمفاوضات، موضحا أن وقف الضربات على الضاحية جاء بضغط مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وقال إن هناك حتى الآن خطوطا حمراء سياسية وإقليمية لا تزال قائمة، تجعل إسرائيل تفضل مواصلة الضغط التصاعدي في الجنوب بدل الانزلاق إلى معركة مفتوحة في بيروت والضاحية تحديدا.
أما حول الأسباب التي أعادت خلال الساعات الأخيرة الحديث عن احتمال توسع الحرب، فأوضح حنا أن التطورات كانت ميدانية وسياسية في آن معا، مشيرا إلى أن إسرائيل وسعت عملياتها البرية إلى ما بعد ما سمته "الخط الأصفر"، بالتزامن مع تصاعد استخدام المسيرات الانقضاضية والصواريخ، ما خلق حالة جديدة لم يعثر لها حتى الآن على علاج فعال.
ولفت إلى أن هذا الواقع رفع مستوى القلق داخل إسرائيل نتيجة الضغط الشعبي من المستوطنين والجيش معا، في ظل تعرض الطرفين للاستهداف، معتبرا أن هذا التصعيد بدأ يغير قواعد الاشتباك على الأرض.
أما سياسيا، فأشار حنا إلى أن التصعيد العسكري تزامن مع خطاب إسرائيلي عالي السقف، بعدما أعلن نتنياهو عن زيادة الضربات، في محاولة لتخفيف الضغط الداخلي والإصابات المتزايدة، موضحا أن إسرائيل تعتبر نفسها أمام لحظة إقليمية حساسة وتحاول عبر التصعيد تخفيف حجم الضغط الواقع عليها، ما يعكس أن الجنوب عاد ليصبح جزءا من معادلة إقليمية أكبر وليس مجرد جبهة محلية منفصلة.
وفي ما يتعلق بإمكان نجاح الاحتواء الدبلوماسي، فأكد أن الدبلوماسية لم تسقط بعد، لكنها تعمل تحت ضغط نار مرتفع جدا، معتبرا أن نتنياهو لا يريد أن يكون الحل في لبنان مرتبطا بالملف الإيراني أو بما يعرف بملف "الأذرع"، إذ يعتبر أن هذه المرحلة تشكل فرصة تاريخية لإنهاء حزب الله في لبنان، ولذلك يناور قدر الإمكان لتجنب أي تسوية تحد من هذا الهدف على الرغم من الضغوط الأميركية.
ورأى حنا أن الاحتواء لا يزال ممكنا، لكن هامش السيطرة يتقلص تدريجيا، فيما تقف المنطقة على حافة تصعيد أوسع إذا لم تنجح الوساطات سريعا، معتبرا أن نتنياهو يريد فعليا استمرار هذا التصعيد، لأنه يعتقد أنه قد يسمح له بتحقيق ما يعتبره حلمه التاريخي.
وعليه، يبقى المشهد اللبناني محاطا بالضبابية، فبين التصعيد المدروس واحتمال الانزلاق إلى مواجهة أوسع، يبقى المشهد مفتوحا على أكثر من سيناريو، خصوصا في ظل تمسك حزب الله بسلاحه خارج إطار الشرعية.