May 26, 2026   Beirut  °C
سياسة

محمد الحجار: واشنطن لن تسمح باستخدام لبنان كورقة تفاوض إيرانية

أعاد الخطاب التصعيدي للأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم، وما تضمنه من تلويح باستخدام الشارع لإسقاط حكومة الرئيس نواف سلام، فتح باب المخاوف من إدخال لبنان في مرحلة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، قد تهدد الاستقرار الداخلي وتضع المؤسسات الدستورية أمام اختبار جديد.

وفي موازاة ذلك، برز الرد السريع وغير المسبوق من وزارة الخارجية الأميركية، التي أعلنت دعمها الكامل للدولة اللبنانية ورفضها أي محاولة لإسقاط الحكومة، في موقف قرأه مراقبون كرسالة واضحة لفصل الساحة اللبنانية عن مسار التفاوض الأميركي ـ الإيراني.


غير أن هذا المشهد أعاد أيضًا طرح تساؤلات داخلية حول تكرار استهداف الموقع السياسي الأول الذي تمثله الطائفة السنية منذ أواخر عام 2006 وحتى اليوم.


وردًا على كلام قاسم، قال النائب السابق عن "تيار المستقبل"، الدكتور محمد الحجار، إن الخطاب يعكس حالة القلق التي يعيشها المشروع الإيراني في المنطقة، في ظل التراجعات المتلاحقة التي يشهدها خلال المرحلة الحالية.


وأضاف، عبر منصة "بالعربي"، أن كل متابع للشؤون الإقليمية يدرك أن المشروع الإيراني في المنطقة يتراجع بشكل واضح، مشيرًا إلى أن "حزب الله" نفسه، كما قياداته، لا يخفون ارتباطهم بالتوجهات الإيرانية، ولا سيما تلك المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، لافتًا إلى أن هذا الأمر بات معروفًا لدى الجميع، سواء على المستوى السياسي أو من خلال الوقائع الميدانية على الأرض.


وأوضح أن المنطقة بأسرها تشهد تحولات كبيرة، وأن هذه التغييرات أدت إلى تراجع النفوذ الإيراني في أكثر من ساحة، الأمر الذي وضع "حزب الله"، بوصفه الذراع الأساسية لإيران في لبنان، أمام واقع جديد، خصوصًا بعد الأدوار التي لعبها سابقًا في كل من العراق وسوريا واليمن.


ورأى الحجار أن الحزب يحاول، عبر مختلف الوسائل السياسية والإعلامية والتهويلية، التأكيد أنه لا يزال موجودًا وقادرًا على فرض شروطه، من خلال رسائل داخلية تقوم على التهديد والضغط السياسي، مشيرًا إلى أن القرارات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية أخيرًا، ولا سيما ما يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة والتشديد على سيادتها الكاملة بقواها الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية، أثارت انزعاج الحزب بشكل واضح.


وأشار إلى أن هذا الانزعاج يفسر، بحسب رأيه، التصعيد الذي صدر في خطاب الشيخ نعيم قاسم، إضافة إلى الحملات السياسية والإعلامية التي تستهدف رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، معتبرًا أن هذا الخطاب يعكس رفض الحزب للمسار الذي تسلكه الدولة اللبنانية في تثبيت سلطتها وسيادتها.


وفي ما يتعلق بالرد السريع الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية على تهديدات إسقاط الحكومة، قال الحجار إن الولايات المتحدة تسعى بشكل واضح إلى سحب الورقة اللبنانية من يد إيران، لافتًا إلى أن واشنطن تخوض مفاوضات مباشرة وغير مباشرة مع طهران، بمشاركة وسطاء إقليميين ودوليين، وأن إيران تحاول في المقابل التمسك بالساحة اللبنانية عبر "حزب الله".


وأضاف أن الرد الأميركي السريع حمل رسالة واضحة مفادها أن الملف اللبناني يجب أن يبقى منفصلًا عن مسار التفاوض الإيراني، وأن واشنطن لن تسمح باستخدام لبنان كورقة ضغط في هذه المفاوضات، معتبرًا أن هذا ما أكدته التصريحات الأميركية الأخيرة.


كما رأى أن الهجوم الذي تعرضت له الدولة اللبنانية من قبل "حزب الله"، بعد دخولها في مسار التفاوض حول ملفات وقف إطلاق النار، وانسحاب إسرائيل، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار، يعود إلى خشية الحزب من أن تستعيد الدولة اللبنانية دورها الطبيعي، وأن تصبح هي الجهة الوحيدة المخولة إدارة هذه الملفات بعيدًا عن أي نفوذ خارجي.


وعن قدرة "حزب الله" على تنفيذ تهديداته بإسقاط الحكومة في الشارع، قال الحجار إن الحزب لم يتردد سابقًا في استخدام أي وسيلة يعتبر أنها تخدم أهدافه السياسية، مذكرًا بما جرى منذ أواخر عام 2006 مع حصار السراي الحكومي، وكذلك أحداث 7 أيار 2008.


لكنه شدد، في المقابل، على ضرورة أن يتنبه الحزب وقياداته إلى خطورة الخطاب التصعيدي والتهديدات التي تصدر عن بعض مسؤوليه، معتبرًا أن مثل هذا الكلام يزيد من حدة الانقسام بين اللبنانيين، ويهدد الوحدة الداخلية والسلم الأهلي، مؤكدًا أن أي توتر من هذا النوع ستكون له انعكاسات سلبية على جميع اللبنانيين من دون استثناء.


ويبقى أن التلويح باستخدام الشارع لإسقاط الحكومة يشكل طرحًا بالغ الخطورة في مرحلة يعيش فيها لبنان أزمات أمنية وسياسية واقتصادية ومعيشية خانقة. فمثل هذا المسار لا يهدد فقط عمل المؤسسات الدستورية، بل يفتح الباب أمام توترات داخلية قد تدفع البلاد نحو مزيد من الانقسام والفوضى. والأخطر أن ينزلق الوضع إلى مواجهة شارع مقابل شارع، في وقت لم يعد لبنان ولا اللبنانيون قادرين على تحمل أي اهتزاز إضافي يهدد السلم الأهلي والاستقرار الداخلي.