بعد التهديدات المتتالية والمتصاعدة التي أطلقها في الآونة الأخيرة مسؤولون في حزب الله، وآخرها على لسان محمود قماطي، الذي توعد الداخل اللبناني بأن العدد الأكبر من مسلحي الحزب موجود في الداخل لا في الجنوب بمواجهة إسرائيل، وذلك في حال شُكلت قوة عسكرية برعاية أميركية أو غربية تتولى مهمة نزع سلاح الحزب، بات يطرح بجدية سؤال حول ما إذا كان الحزب سيقوم بأي مغامرة عسكرية داخلية تنفيذا لتهديداته ووعيده.
ومع اقتراب موعد الاجتماع الأمني اللبناني - الإسرائيلي المرتقب في 29 من الحالي، يبرز تساؤل إضافي حول ما إذا كان هذا الاجتماع سيترك تداعيات على المستوى الداخلي، تدفع حزب الله إلى توتير الأوضاع الأمنية وتوجيه سلاحه إلى الداخل، في محاولة لمحاصرة أي قرار قد يصدر عنه.
وفي هذا السياق، أكد الباحث والمحلل السياسي ربيع دندشلي أن المشهد اللبناني يشهد تحولات كبيرة مقارنة بما كان عليه قبل سنوات، معتبرا أن الظروف السياسية والأمنية والإقليمية التي كانت تسمح لحزب الله باستخدام السلاح في الداخل اللبناني لم تعد متوافرة اليوم، في ظل الضغوط الدولية والإقليمية والداخلية المتزايدة المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن الحزب بات أكثر حرصا على تجنب أي استخدام للسلاح في الداخل، لأن أي خطوة من هذا النوع ستنعكس سلبا عليه في هذا التوقيت تحديدا، وقد تشكل، بحسب تعبيره، الضربة التي قد تنهي وجود هذا السلاح، مشيرا إلى أن التطورات التي شهدتها المنطقة منذ العام 2023، ابتداء من حرب الإسناد وما تبعها، مرورا بالتحولات في سوريا، وصولا إلى تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، كلها عوامل دفعت الحزب إلى إعادة حساباته السياسية والأمنية.
ورأى دندشلي أن الحزب لا يزال حتى الآن جزءا من المنظومة التي تدير الملفات السياسية والأمنية في لبنان، ابتداء من رأس الهرم وصولا إلى مختلف المؤسسات، مشيرا إلى أن هذا الأمر يظهر في عدد من الملفات الداخلية، لا سيما في ما يتعلق بالجنوب اللبناني والقرارات الأمنية.
كما اعتبر أن وجود رئيس مجلس النواب نبيه بري وحركة أمل إلى جانب الدولة اللبنانية يشكل نوعا من الضمانة السياسية، ما يوفر غطاء، ولو محدودا، لاستمرار المفاوضات والنقاشات القائمة.
وفي ما يتعلق بالحديث المتصاعد عن التطبيع مع إسرائيل، ميّز دندشلي بين رغبة اللبنانيين في السلام ورفضهم للحرب، وبين مسألة التطبيع السياسي. وقال إن غالبية اللبنانيين يريدون الاستقرار ووقف الحروب وعودة الدولة القوية التي تمنع أي طرف من فرض سلاحه أو أيديولوجيته على الآخرين، إلا أن الأمر لا يعني بالضرورة وجود أكثرية تؤيد التطبيع مع إسرائيل.
وقال إن اللبنانيين يريدون دولة مستقرة وحدودا آمنة بلا خروقات إسرائيلية، كما يرفضون أن يكون أي فريق داخلي مرتبطا بمحاور خارجية أو قادرا على فرض خياراته بالقوة، مشددا، في المقابل، على أن الحديث عن التطبيع في ظل استمرار الحرب والدمار وسقوط الضحايا يبقى مستفزا لشريحة واسعة من اللبنانيين. واعتبر أن هذا النوع من الخطاب ليس في توقيته الطبيعي حاليا، على الرغم من رفضه في الوقت نفسه لسياسة التخوين العشوائي أو اتهام الآخرين بالعمالة لمجرد اختلاف الرأي.
وأشار دندشلي إلى أن لبنان، بوصفه دولة صغيرة في منطقة مضطربة، لا يستطيع تحمل تبعات الصراعات الإقليمية وحده، لافتا إلى أن موقعه الطبيعي يجب أن يكون ضمن الإجماع العربي، سواء في حال الاتجاه نحو المواجهة أو نحو السلام.
وفي سياق آخر، وصف ما حصل في منطقة البيال لناحية إقامة مخيمات للنازحين بأنه "أمر خطير"، مشددا على أن المشكلة الأساسية لا تكمن في النازحين أنفسهم ولا حتى في الحزب، بل في الدولة اللبنانية التي سمحت بإقامة هذه المخيمات بهذا الشكل. واعتبر أن النازح من الطبيعي أن يفضل البقاء في منطقة قريبة من عمله وبيئته الاجتماعية، إلا أن تحويل اللبنانيين إلى مخيمات داخل بلدهم يشكل، بحسب وصفه، منظرا معيبا بحق الدولة والمجتمع.
وأكد دندشلي أن النازحين اللبنانيين ليسوا لاجئين أو عابرين، بل هم "أبناء البلد"، وكان يفترض تأمين مراكز إيواء أو مساكن مناسبة لهم بدلا من إنشاء مخيمات عشوائية، خصوصا في مناطق حساسة وظروف مناخية صعبة، مذكرا بأن الحكومة اللبنانية في مراحل سابقة رفضت إقامة مخيمات مماثلة على الرغم من توافر خيم ومساعدات دولية، لأن ذلك كان يعتبر مسيئا لصورة الدولة.
وتساءل عن الرسالة السياسية الكامنة خلف إنشاء هذه المخيمات في هذا التوقيت، معتبرا أن الأمر يوحي وكأن الحرب طويلة الأمد، على الرغم من كل الحديث عن تهدئة ووساطات سياسية. واستغرب الإصرار على إبقاء بعض النازحين في مناطق محددة على الرغم من وجود أماكن أخرى يمكن استخدامها للإيواء، سواء في الضاحية الجنوبية أو في مرافق ومنشآت لم تصل بعد إلى كامل قدرتها الاستيعابية.
وأكد دندشلي أن جزءا من الخطاب التصعيدي الصادر عن بعض الشخصيات المحسوبة على حزب الله يسيء إليه أكثر مما يفيده، معتبرا أن داخل الحزب نفسه تيارا بات يدرك ضرورة العودة إلى منطق الدولة والمؤسسات، في مقابل تيار آخر لا يزال أسير "العقلية الميليشيوية" وغير قادر على تقبل فكرة المساواة الكاملة بين جميع المواطنين تحت سقف الدولة اللبنانية.
ويبقى أن حزب الله اليوم أسير خطابين متناقضين: الأول يمثله أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، ويتضمن هامشا واسعا من الحديث عن الدولة والمؤسسات، من دون اللجوء إلى تخويف الداخل أو توجيه الوعيد إليه. أما الخطاب الثاني، فيمثله كل من محمود قماطي ونواف الموسوي ومن يدور في فلكهما، والذين يحاولون من خلال تصريحاتهم نقل المواجهة إلى الداخل، عبر تصويره على أنه العدو الحقيقي للبيئة الحاضنة. لكن، وفي كل الأحوال، يدرك الحزب أنه بات في وضع لا يحسد عليه، وأنه لا ملاذ له للنجاة سوى الدولة ومؤسساتها، إلى جانب الأمان الشعبي الذي لا يمكن لأي فئة تأمينه بمفردها، بمعزل عن وحدة اللبنانيين بكل طوائفهم وانتماءاتهم ومشاربهم.