ينتظر المراقبون ما ستفضي إليه جلسة المحادثات اللبنانية - الإسرائيلية المقرر عقدها في واشنطن في 29 الحالي، بمشاركة وفد لبناني ذي طابع عسكري - أمني، لبحث الترتيبات الأمنية بين الجانبين.
غير أن الأنظار تتجه إلى التداعيات القانونية والدستورية لهذا الاجتماع، لا سيما في ما يتعلق بقانون تجريم التعامل مع إسرائيل المنصوص عليه في التشريعات اللبنانية.
فكيف ينظر القانونيون إلى أي اتفاق أمني محتمل بين بيروت وتل أبيب، وما هي مقاربته على المستويين القانوني والوطني؟
في قراءة قانونية وسياسية لاجتماع 29 أيار، رأى الصحافي القضائي يوسف دياب أن المفاوضات الأمنية اللبنانية - الإسرائيلية تندرج ضمن إطار عمل رسمي أقرته الحكومة اللبنانية، ولا تأتي نتيجة قرار ذاتي من الضباط المشاركين فيها.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن أي تواصل مع الجانب الإسرائيلي، إذا حصل بقرار فردي خارج إطار السلطة الرسمية، يعد جرما يعاقب عليه القانون، إلا أن الواقع الحالي مختلف تماما، لأن هذه المفاوضات تأتي ترجمة مباشرة لقرار صادر عن السلطة السياسية اللبنانية التي قررت الدخول في مفاوضات مباشرة مع الإسرائيلي بهدف وقف إطلاق النار ووضع حد للحرب الإسرائيلية التدميرية على لبنان، مشيرا إلى أن هذه المفاوضات، إذا أفضت إلى نتائج إيجابية، فإنها تخدم المصلحة الوطنية العليا ولا تلحق أي ضرر بالمصلحة اللبنانية.
ولفت دياب إلى أن الاجتماع مع إسرائيل أو مع ضباط إسرائيليين لا يعتبر جرما بحد ذاته، إلا إذا اقترن بتزويدها بمعلومات تمس الأمن القومي اللبناني أو تمنحه فرصة للإضرار بلبنان أو تنفيذ عمليات عسكرية ضده. أما في الحالة الراهنة، فتسير المفاوضات في الاتجاه المعاكس تماما، إذ تهدف إلى وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان ومنع استمرار الحرب.
وأكد أن هذه الخطوة تأتي تنفيذا لقرار السلطة السياسية الرسمية، وبالتالي فهي لا تنطوي على أي جرم جزائي أو مخالفة قانونية. وقال إن المصلحة الوطنية العليا لطالما فرضت، في مراحل سابقة، الدخول في مفاوضات مع الإسرائيلي، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
واستعرض دياب محطات سابقة من تاريخ التفاوض اللبناني - الإسرائيلي، مشيرا إلى مفاوضات العام 1983 التي أفضت إلى اتفاق 17 أيار قبل إسقاطه لاحقا، إضافة إلى المفاوضات المباشرة التي حصلت خلال مؤتمر مدريد في العام 1991، والتي هدفت إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للبنان. كما ذكر بالمفاوضات غير المباشرة التي حصلت في ملف ترسيم الحدود البحرية، والتي أفضت إلى اتفاق لترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل، فضلا عن المفاوضات غير المباشرة التي حصلت عبر لجنة "الميكانيزم" بوساطة أميركية وفرنسية.
وشدد على أن المفاوضات الحالية تأتي ضمن هذا السياق السياسي والأمني الذي يهدف إلى حماية المصلحة الوطنية العليا ووقف الحرب الإسرائيلية على لبنان، وبالتالي لا تترتب عليها أي تداعيات قانونية، كما أنها لا تعرض الضباط اللبنانيين المشاركين فيها لأي ملاحقة جزائية، موضحا أن هؤلاء الضباط ينفذون قرار السلطة السياسية التي كلفتهم رسميا بهذه المهمة، وهي التي حددت لهم إطار العمل وورقة التفاوض مع الجانب الإسرائيلي، بما يؤدي إلى انسحاب إسرائيل، ووقف الاعتداءات، وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب، والانتقال إلى مرحلة ترتيبات أمنية بين لبنان وإسرائيل تحول دون أن يكون لبنان مصدر تهديد لأمن إسرائيل، وفي المقابل تمنع إسرائيل من القيام بأي اعتداءات أو حروب جديدة ضد لبنان.
وأشار دياب إلى أن هذا المسار يعيد التذكير باتفاقية الهدنة الموقعة بين لبنان وإسرائيل في العام 1949، والتي أشار إليها رئيس الجمهورية جوزاف عون في خطاب القسم، كما أكدت عليها الحكومة اللبنانية في بيانها الوزاري.
في الختام، لا تعد المفاوضات الأمنية المنتظرة سابقة في تاريخ لبنان الحديث، إذ شهدت مراحل سابقة محطات تفاوض مباشرة وغير مباشرة مع الجانب الإسرائيلي، ارتبطت بظروف سياسية وأمنية دقيقة. إلا أن خطورة المرحلة الراهنة، في ظل تداعيات الحرب الأخيرة وما سبقها من مواجهات مدمرة بين عامي 2023 و2024، تجعل البحث عن مخرج يوقف القتل والدمار أولوية ملحة بالنسبة إلى لبنان، الذي لا يملك عمليا هامش فرض الشروط على الجانبين الأميركي والإسرائيلي بقدر ما يسعى إلى الحد من الخسائر واحتواء الانهيار الأمني والسياسي المتفاقم.