يبرز حديث جاد في الأوساط السياسية والإعلامية حول إمكان إنشاء قوة خاصة أو لواء خاص من الجيش اللبناني، يكلف بالانتشار في جنوب لبنان، ويتمتع بدعم وتجهيز غربي لا سيما أميركي.
وفي هذا السياق، يطرح تساؤل حول مدى واقعية هذا الطرح وتداعياته في ظل الانقسام الداخلي وإمكان تنفيذه على أرض الواقع.
وفي قراءة عسكرية لهذا الطرح، اعتبر الخبير العسكري العميد المتقاعد فادي داوود أن ما يتداول في بعض الأوساط الإعلامية والسياسية حول إمكان "تشكيل لواء جديد" أو "إعادة تفصيل وحدات عسكرية" داخل الجيش اللبناني لا يستند إلى تصور مؤسسي دقيق لطبيعة البنية العسكرية القائمة، مشددا على أن الجيش ليس جهة قابلة لإعادة التشكيل وفق اعتبارات ظرفية أو سياسية، بل مؤسسة لها هيكلية تنظيمية واضحة تقوم على الألوية والأفواج ووحدات الدعم والإسناد.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن مصطلحات من نوع "تأليف لواء" أو "استحداث لواء لمهمة محددة" يتداول أحيانا في الخطاب العام بشكل غير دقيق، في حين أن أي تعديل في بنية الجيش أو إنشاء وحدات جديدة يخضع لاعتبارات قيادية عليا وخطط دفاعية مرتبطة بطبيعة التهديدات وحاجات الانتشار، وليس لمجرد طرح خارجي أو فكرة سياسية آنية.
وقال داوود إن الجيش اللبناني يمتلك بالفعل مرونة عملياتية تسمح بإعادة توزيع القوى وتشكيل مجموعات مهام مشتركة عند الحاجة، حيث يمكن دمج ألوية وأفواج ضمن قيادة موحدة لتنفيذ مهمة محددة، من دون الحاجة إلى استحداث تشكيل مستقل خارج الإطار النظامي.
وفي ما يتعلق بما يطرح حول دعم أو إشراف أميركي مباشر على وحدة لبنانية خاصة، شدد على أن هذا التصور غير واقعي من الناحية العسكرية، موضحا أن الجيوش النظامية، بما فيها الجيش الأميركي، تعتمد في علاقاتها مع جيوش أخرى على مفهوم الدعم والتدريب والتجهيز وتبادل الخبرات، وليس على المشاركة العضوية داخل وحدات قتالية مشتركة ضمن جيش دولة أخرى. واعتبر أن أي تصور يقوم على قيادة أجنبية مباشرة لوحدة لبنانية يتعارض مع مفهوم السيادة العسكرية وآليات العمل داخل الجيوش النظامية.
كما أشار داوود إلى أن الحديث عن تشكيل وحدات ذات طابع سياسي أو طائفي داخل الجيش اللبناني غير ممكن عمليا، نظرا إلى أن المؤسسة العسكرية تقوم على مبدأ توزيع متوازن للعناصر ضمن تشكيلاتها المختلفة، بما يمنع تحويل أي وحدة إلى إطار ذي هوية سياسية أو مكون طائفي محدد، لافتا إلى أن هذا التوازن يشكل أحد ركائز استقرار الجيش واستمراريته في ظل التركيبة اللبنانية المعقدة.
وفي ما خص قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ مهامه لجهة نزع سلاح حزب الله، رأى أن المسألة لا يمكن اختزالها بالقدرة العسكرية وحدها، بل ترتبط بالسياق السياسي العام داخليا وإقليميا، وبطبيعة القرار السياسي الذي يحدد سقف استخدام القوة ومجالاتها. وقال إن أي مقاربة لمهام حساسة من هذا النوع يجب أن تأخذ في الاعتبار التوازنات الإقليمية، لا سيما ما يتصل بنتائج إما المواجهة أو التسوية بين الولايات المتحدة وإيران، باعتبار أن أي تحول كبير في هذا المسار سينعكس حكما على الوضع اللبناني وعلى دور الجيش.
وختم بأن الجيش اللبناني، من حيث المبدأ، يمتلك القدرة على تنفيذ مهامه ضمن الإمكانات المتاحة له حاليا، لكنه يحتاج إلى دعم شامل وممنهج لتعزيز قدراته، سواء على مستوى التجهيز أو التدريب أو الإمكانات اللوجستية، مع التشديد على أن أي دعم خارجي يجب أن يندرج ضمن إطار قرار سيادي لبناني واضح يحدده الدستور والمؤسسات الرسمية، وليس ضمن إملاءات أو تصورات مفروضة من الخارج.
وفي ضوء ما تقدم، تمر البلاد اليوم بمرحلة شديدة الدقة والحساسية، في ظل التحديات الأمنية والسياسية المتصاعدة التي تحيط بلبنان والمنطقة. وفي هذا السياق، فإن أي طروحات تتصل بإعادة تشكيل وحدات داخل المؤسسة العسكرية، بما فيها ما أثير حول تأليف لواء خاص في الجيش اللبناني، قد تحمل في طياتها تداعيات سلبية على المؤسسة العسكرية التي تشكل الضامن الأول للاستقرار الوطني. وبينما يبقى الجيش اللبناني الركيزة الأساسية في حماية الوطن وصون وحدته، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى الحفاظ على تماسكه الداخلي وإبعاده عن أي انقسامات أو تجاذبات قد تنعكس سلبا على دوره في هذه المرحلة الحساسة.