May 20, 2026   Beirut  °C
سياسة

جورج الصغير يكشف لـ"بالعربي": ترتيبات كبرى تُطبخ في واشنطن بين بيروت وتل أبيب

ذكرت صحيفة "فايننشال تايمز" أن إسرائيل استولت على نحو ألف كيلومترٍ مربعٍ من الأراضي منذ هجوم 7 أكتوبر، نصفها في جنوب لبنان، فيما توزعت المساحات الأخرى بين غزة وسوريا، ما يطرح تساؤلاتٍ واسعةً حول ما إذا كانت هذه الخطوات تشكل مقدمةً لتوسيع الحدود الإسرائيلية وتثبيت السيطرة على المناطق التي دخلتها، أم أن الانسحاب منها يبقى ممكنًا في حال التوصل إلى اتفاقاتٍ سياسيةٍ وأمنيةٍ تلبي الشروط الإسرائيلية.

وفي موازاة ذلك، تبدو الهدنة الراهنة في جنوب لبنان شكليةً إلى حدٍ كبيرٍ، مع استمرار الإنذارات والغارات والاستهدافات الإسرائيلية، مقابل تواصل عمليات حزب الله، الأمر الذي يثير المخاوف من احتمال تفجر الأوضاع العسكرية مجددًا واتساع رقعة المواجهة نحو بيروت والضاحية الجنوبية، في وقتٍ تتواصل فيه المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية في واشنطن وسط تعقيداتٍ داخليةٍ وضغوطٍ إقليميةٍ متزايدةٍ.


في هذا السياق، أكد العميد المتقاعد جورج الصغير أن ما يجري اليوم في المنطقة يرتبط مباشرةً بالتحولات التي فرضتها الإدارة الأميركية الحالية، معتبرًا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتصرف وفق أسلوبٍ مختلفٍ عن الرؤساء الأميركيين السابقين، إذ يسعى إلى فرض وقائعٍ سياسيةٍ وأمنيةٍ جديدةٍ في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها الدفع نحو ترتيباتِ سلامٍ واسعةٍ.


ورأى، عبر منصة "بالعربي"، أن السياسة الإسرائيلية تقوم أساسًا على الاعتبارات الأمنية أكثر من التوسع الجغرافي، مشيرًا إلى أن إسرائيل بقيت في جنوب لبنان 18 عامًا، وعندما حان وقت انسحابها عام 2000 جرى تفاهمٌ أميركيٌّ ـ إيرانيٌّ غير مباشرٍ أدى إلى تعزيز قدرات حزب الله العسكرية عبر إدخال أسلحةٍ مضادةٍ للدبابات غيّرت موازين المواجهة في حينه.


وأوضح أنه كان في الخدمة العسكرية خلال تلك المرحلة، وكان على تواصلٍ مع ملحقين عسكريين، مؤكدًا أن تلك الأسلحة النوعية لم تكن بحوزة الحزب سابقًا، وأن استخدامها ألحق خسائرَ كبيرةً بالدبابات الإسرائيلية. وأضاف أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك كان قد أقر يومها بصعوبة الضغط على إسرائيل بسبب تأثير اللوبيات السياسية داخل الولايات المتحدة.


وأشار إلى أن التفاهمات الدولية والإقليمية تبدلت اليوم مع عودة ترامب إلى الواجهة السياسية، معتبرًا أن هناك تقاطعَ مصالحَ أميركيًّا وإسرائيليًّا وإيرانيًّا في بعض الملفات، وأن التطورات العسكرية الأخيرة قد تؤدي في نهاية المطاف إلى انسحاباتٍ وتسوياتٍ جديدةٍ في لبنان والمنطقة.


وفي ما يتعلق بالحدود الجنوبية، شدد على أن الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين رُسمت تاريخيًا خلال فترة الانتدابين الفرنسي والبريطاني، موضحًا أن الخرائط الأصلية موجودةٌ في الأرشيف الفرنسي، وأن عمليات الترسيم اعتمدت على تلك الوثائق التاريخية التي تحدد بوضوحٍ الخط الفاصل بين لبنان وفلسطين المحتلة.


وفي الشأن الفلسطيني، اعتبر أن الحديث عن السلام لا يزال مرتبطًا بمصير الضفة الغربية والتوسع الاستيطاني الإسرائيلي، مؤكدًا أن الضغوط الدولية على حكومة بنيامين نتنياهو تتزايد، خصوصًا بعد القرارات القضائية الأخيرة للمحكمة الجنائية الدولية بحق وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، وأن أي تسويةٍ مستقبليةٍ ستعيد طرح فكرة الدولة الفلسطينية.


أما داخليًا، فرأى أن مسألة سلاح حزب الله تبقى العقدة الأساسية في لبنان، معتبرًا أن الحزب لن يتخلى عن سلاحه إلا في حال حدوث تحولٍ جذريٍّ في العلاقة مع إيران. وقال إن كل التطورات السياسية والأمنية الحالية مرتبطةٌ مباشرةً بمستقبل الدور الإيراني في المنطقة.


وانتقد بشدةٍ الأطراف اللبنانية التي راهنت، بحسب تعبيره، على مشاريعَ خارجيةٍ، معتبرًا أن بعض السنة راهنوا سابقًا على الفلسطينيين، وبعض المسيحيين على إسرائيل، وبعض الشيعة على إيران، ما أدى إلى إضعاف الدولة اللبنانية وإدخال البلاد في صراعاتِ المحاورِ الإقليمية.


وفي ما يخص الوضع الأمني، أكد أنه لا يخشى انهيار الاستقرار الداخلي، معتبرًا أن إيران نفسها قد تتجه إلى إعادة ترتيب علاقتها بحلفائها، على رأسهم حزب الله، متهمًا طهران باغتيال الأمين العام السابق للحزب السيد حسن نصرالله لأنه طالب حينها، من خارج إرادتها ـ وفق قوله ـ بوقف إطلاق النار مع إسرائيل، إفساحًا في المجال أمام النازحين للعودة إلى قراهم. ورأى أن الظروف الإقليمية الحالية لم تعد تسمح باستمرار الصيغة السابقة التي حكمت المنطقة طوال السنوات الماضية.


كما أشار إلى أن الضغوط الأميركية على إيران ترافقت مع موقفٍ عربيٍّ رافضٍ لأي مواجهةٍ عسكريةٍ شاملةٍ قد تهدد دول الخليج، لافتًا إلى أن السعودية ودول الخليج باتت تفضل التسويات السياسية على الانخراط في صراعاتٍ مفتوحةٍ تعود بالدمار على بلدانها.


وختم الصغير بالتأكيد أن الأسابيع المقبلة ستبقى مفتوحةً على مزيدٍ من الضغوط على لبنان، معتبرًا أن كل جلسات التفاوض بين بيروت وتل أبيب، التي تشهدها واشنطن حاليًا، تصب في إطار التحضير لتسوياتٍ كبرى، سواءٌ في لبنان أو في الإقليم ككل.


وفي الخلاصة، يبدو أن لبنان دخل مرحلةَ الحسمِ الفعلي، حيث لم يعد المجتمع الدولي مستعدًا للتساهل مع بقاء قرار الحرب والسلم خارج إطار الدولة. كما أن الضغوط على حزب الله ستتصاعد سياسيًا وأمنيًا بالتوازي مع تضييق الخناق على إيران، فيما ستبقى إسرائيل متمسكةً بمعادلة الأمن أولًا، ما يعني أن الأسابيع المقبلة مرشحةٌ لمزيدٍ من التوتر والضغوط، بانتظار اتضاح شكل التسويات التي يجري إعدادها بين أميركا وإيران.