في ظل التحولات السياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، عاد الحديث عن إعادة تنظيم العلاقات اللبنانية-السورية إلى الواجهة، مع تداول معلومات حول إمكان التوصل إلى اتفاق بين بيروت ودمشق يقضي بإعفاء اللبنانيين والسوريين من تأشيرات الدخول بين البلدين. ويأتي هذا الطرح في أعقاب زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى سوريا، في خطوة اعتُبرت مؤشرًا على رغبة متبادلة بفتح صفحة جديدة من العلاقات بعد سنوات طويلة من التوتر والتعقيدات السياسية والأمنية التي طبعت المرحلة السابقة.
هذا التطور يثير تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت العلاقات بين البلدين تتجه فعلًا نحو مرحلة جديدة قائمة على التعاون الأمني والاقتصادي وترتيب الملفات العالقة، من ضبط الحدود والمعابر غير الشرعية إلى ملف النازحين والتبادل التجاري، أم أن ما يُطرح لا يزال في إطار النوايا السياسية التي تحتاج إلى خطوات عملية لترجمتها على أرض الواقع.
في هذا الإطار، رأى الباحث والمحلل السياسي السوري ياسر نجار أن دراسة فكرة تسهيل عبور اللبنانيين والسوريين بين البلدين من دون تأشيرة، إلى جانب البحث في إلغاء أو توحيد الرسوم الجمركية، تندرج ضمن مسار إعادة تنظيم العلاقة بين لبنان وسوريا على أسسٍ جديدة.
وأوضح، عبر منصّة "بالعربي"، أن زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى سوريا أعطت دفعًا كبيرًا للعلاقات المتبادلة بين البلدين، معتبرًا أن هذا التطور يفتح الباب أمام مرحلةٍ مختلفة من التعاون، لا سيما على المستويين الأمني والاقتصادي.
وأشار نجار إلى أن لبنان يحتاج إلى تنسيق أمني كبير مع الدولة السورية، بعد فترةٍ طويلة اتسمت، بحسب تعبيره، بحالةٍ من التسيب على الحدود اللبنانية-السورية، حيث لم تكن الضوابط قائمة بالشكل القانوني الكامل، بل سادت المعابر غير الشرعية وغابت الرقابة الفعلية على الحدود.
ورأى أن الدولة السورية تسعى اليوم إلى علاقة ندية قائمة على الاعتراف المتبادل بين البلدين، وإلى تطوير التعاون الأمني من خلال إعادة رسم وتنظيم الحدود، عبر زيارات واتصالات متبادلة تكرس اتفاقيات جديدة، أو إعادة تفعيل وتحديث الاتفاقيات السابقة بما يتناسب مع المرحلة الحالية.
ولفت نجار إلى أن ضبط الحدود وإقفال المعابر غير الشرعية يشكلان أولوية مشتركة، خصوصًا في ما يتعلق بتهريب السلاح والمخدرات، مشددًا على أن هذا الملف يحتاج إلى تعاون أمني مباشر وفعال بين الطرفين.
وفي ما يتعلق بعودة السوريين من لبنان، أشار إلى أن تسهيل الحكومة اللبنانية لآليات العودة، والإعفاءات من الرسوم والمخالفات، يعكسان، بحسب رأيه، رغبةً في تحسين العلاقة مع الدولة السورية وإرسال رسائل إيجابية في هذا الاتجاه، معتبرًا أن الحكومة اللبنانية الحالية لا تتحمل مسؤولية السياسات السابقة، سواء خلال مرحلةٍ اعتبرها مرتبطة بالنظام السوري السابق أو خلال مرحلة سيطرة حزب الله، مشددًا على أن المطلوب اليوم هو علاقة طبيعية تقوم على الندية والاحترام المتبادل.
أما اقتصاديًا، فرأى نجار أن أي بحث في تخفيف الرسوم الجمركية أو تسهيل الترانزيت بين البلدين سينعكس إيجابًا على الاقتصادين اللبناني والسوري على المدى الطويل، ضمن رؤية استراتيجية تشمل ربط الموانئ البحرية، بحيث يمكن لميناء طرابلس أن يخدم سوريا، وللموانئ السورية أن تخدم لبنان.
كما أشار إلى إمكانية إعادة ربط لبنان بشبكة السكك الحديدية، ولا سيما خط الحجاز، بما يسهل حركة نقل البضائع ويفتح مسارات تجارية باتجاه الأردن وتركيا والخليج العربي، ما يعزز التجارة البينية بين البلدين.
وختم نجار بالتأكيد أن التعاون بين بيروت ودمشق يجب أن يقوم على الاحترام المتبادل للسيادة والندية، وأن نجاح هذا المسار مرتبط بضبط كامل للحدود وإقفال المعابر غير الشرعية، بما يعزز الاقتصاد الشرعي ويحد من اقتصاد التهريب، ويفتح الباب أمام شراكةٍ أوسع في مجالات الاقتصاد وإعادة الإعمار.
وفي المحصلة، وبما أن لبنان وسوريا يجمعهما التقارب الجغرافي والعلاقات التاريخية، فإن الإعفاء من تأشيرة الدخول يُعد حقًا مشروعًا لكلا الشعبين، لكنه يستلزم بدايةً المبادرة إلى ترسيم الحدود البرية وإغلاق المعابر غير الشرعية بين البلدين، بما يضمن أن تشهد المرحلة المقبلة تطورًا فعليًا في العلاقات وتعزيزًا للتعاون بين الطرفين.