على الرغم من انتهاء الجولة الثالثة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، والتي أفضت إلى تمديد الهدنة لمدة 45 يوما إضافية، إلى جانب اتفاق يقضي بتخفيف وتيرة التصعيد الإسرائيلي باتجاه لبنان، إلا أن الوقائع الميدانية لا تزال تُظهر هشاشة هذا الاتفاق وعدم استقراره، في ظل استمرار الخروقات والتوتر على الجبهة الجنوبية.
وفي هذا الإطار، برز موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي أبلغ رئيس الجمهورية جوزاف عون أن حزب الله سيلتزم بالكامل بوقف إطلاق النار، شرط أن يتمكن الوفد اللبناني من الحصول على التزام إسرائيلي مماثل، ما يعكس استمرار ربط التهدئة بالتزام الطرفين ببنود الاتفاق. فهل ستصمد هدنة الـ45 يوما أمام الخروقات المستمرة؟
في هذا السياق، أكّد أستاذ علم الاجتماع والباحث في القضايا الإقليمية طلال عتريسي أن موقف الرئيس نبيه بري من ملف وقف إطلاق النار يستند إلى رفضه مبدأ التفاوض المباشر، وتمسكه بخيار التفاوض غير المباشر، مشيرا إلى أن بري يشكّل صلة الوصل الأساسية مع حزب الله في هذا المسار.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن بري، بحكم تواصله الدائم مع حزب الله، يدرك أن الجهة القادرة فعليا على تنفيذ أي التزام بوقف إطلاق النار هي المقاومة من جهة، وإسرائيل من الجهة المقابلة، مشيرا إلى أن رئيس المجلس يستطيع تقديم ضمانات تتعلق بالتزام حزب الله، لكنه، في المقابل، يشترط التزاما إسرائيليا كاملا وواضحا بوقف إطلاق النار، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، بحسب تعبيره، في ظل استمرار الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية.
وقال عتريسي: الرئيس بري أبلغ رئيس الجمهورية بشكل واضح أن أي التزام كامل من جانب حزب الله يجب أن يقابله التزام إسرائيلي كامل، معتبرا أن غياب هذا الالتزام يجعل وقف إطلاق النار الحالي هشا وغير مستقر، ويُبقي الباب مفتوحا أمام احتمالات التصعيد خلال الساعات أو الأيام المقبلة.
وفي ما يتعلق بطبيعة الهدنة الحالية، رأى أن الحديث عن وقف إطلاق النار لا يزال يفتقر إلى الوضوح الكامل، إذ لم تُحسم بعد طبيعة المرحلة التي ستلي هذا الإعلان، سواء لناحية وقف الحرب بشكل نهائي، أو السماح بعودة الأهالي إلى القرى التي هُجّروا منها، أو وقف الاغتيالات والاستهدافات، أو حتى ضمانات الولايات المتحدة بمنع إسرائيل من تنفيذ اعتداءات جديدة، مشيرا إلى أن استمرار الخروقات الإسرائيلية بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار يعكس، برأيه، عدم التزام إسرائيل بأي تفاهمات قائمة، خصوصا وأن الاعتداءات استمرت حتى بعد دخول الهدنة حيّز التنفيذ. واعتبر أن إسرائيل قد تكون تحاول استخدام الضغط الميداني والعسكري لفرض شروط سياسية جديدة على لبنان، أو لتأكيد أن قرار التهدئة يبقى بيدها وحدها.
كما لفت عتريسي إلى أن الحكومة الإسرائيلية الحالية، برئاسة بنيامين نتنياهو، لا تبدو مستعدة للذهاب نحو تهدئة مستقرة، مشيرا إلى أن شخصيات إسرائيلية معارضة تتهم نتنياهو بالسعي إلى إبقاء الحروب مشتعلة في المنطقة خدمة لمصالحه السياسية الداخلية.
وفي ما خص الدور الأميركي، رأى أن الولايات المتحدة لا تتعامل كوسيط متوازن بين الطرفين، بل تُظهر انحيازا واضحا لإسرائيل، لافتا إلى أن مسؤولين أميركيين أقروا بعدم قدرتهم على فرض أي ضغوط فعلية على تل أبيب، ما يضعف مصداقية واشنطن كوسيط قادر على ضمان تنفيذ أي اتفاق أو تهدئة طويلة الأمد.
وأكد عتريسي أن مستقبل الوضع في الجنوب اللبناني يبقى مرتبطا بعوامل عدة، أبرزها مسار المفاوضات الإيرانية - الأميركية، موضحا أن أي تقدم إيجابي في هذه المفاوضات قد ينعكس تهدئة على الساحة اللبنانية، ويفتح الباب أمام تثبيت وقف إطلاق النار، وعودة النازحين، والبحث في إعادة الإعمار، فيما أن استمرار المراوحة سيُبقي لبنان ضمن دائرة التصعيد والاشتباكات المفتوحة.
إذا، تبقى الهدنة الحالية حبرا على ورق، في ظل استمرار الخروقات وغياب الضمانات الواضحة لتثبيت وقف إطلاق النار، لا سيما وأن المشهد اللبناني لا ينفصل عن التطورات الإقليمية، وتحديدا مسار المفاوضات الإيرانية - الأميركية، إذ يمكن لفشل هذه المفاوضات أن يبقي الجبهة الجنوبية ضمن دائرة التصعيد المفتوح، فيما تبقى التساؤلات حول قدرة الوسطاء داخليا أو خارجيا في التأثير على أطراف النزاع.