مرة جديدة، ومن دون أي مفاجآت، أعاد الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم ربط مصير لبنان بمصير طهران، في وقت تواصل فيه إسرائيل عملياتها العسكرية في الجنوب عبر الغارات والتدمير الممنهج للقرى والبلدات واستهداف عناصر الحزب، بالتوازي مع استمرار التهجير وتوسع التحركات الإسرائيلية شمال الليطاني.
وبينما تتفاقم الوقائع الميدانية، يواصل قاسم التمسك بسردية "عدم ترك الميدان" وتهديد إسرائيل، بالتزامن مع هجومه على الدولة اللبنانية بسبب المفاوضات المباشرة، وتجديد شكره لإيران على دعمها، ما يعيد طرح علامات استفهام حول الوجهة التي يريد الحزب أخذ لبنان إليها.
تعليقا على المواقف الأخيرة لقاسم، قال مفوض الحكومة السابق لدى المحكمة العسكرية القاضي بيتر جرمانوس إن ما يعرف بـ "حزب الله" بات جزءا عضويا من الحرس الثوري الإيراني، معتبرا أن الحزب يقاتل خدمة للمشروع الإيراني حتى "آخر شيعي وآخر لبناني"، على حد تعبيره، من دون إعطاء أي أهمية للواقع الشيعي أو اللبناني أو للانعكاسات الاجتماعية والاقتصادية التي تطال اللبنانيين.
وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم يحاول، من خلال مواقفه الأخيرة وحديثه عن المفاوضات غير المباشرة، ضمان دور لطهران في أي تسوية مقبلة، إلا أن القرار الفعلي يبقى بيد إيران وحدها، مؤكدا أن الحزب ليس سوى واجهة تنفيذية للمشروع الإيراني في المنطقة، مشيرا إلى أن السفير الإيراني في لبنان، الذي لا تزال أوراق اعتماده موضع رفض، يمارس دورا يتجاوز الأعراف الدبلوماسية التقليدية. واعتبر أنه يدير عمليا عمليات الحزب وتحركاته السياسية والأمنية، متحدثا عن ما تردد في وسائل الإعلام بشأن دخول عناصر مرتبطة بالحرس الثوري ومجموعات من دول أخرى، بينها العراق، إلى لبنان باستخدام جوازات سفر لبنانية.
ورأى جرمانوس أن الخطاب الرسمي اللبناني، وكذلك توصيف بعض القوى السياسية، يتجنب الاعتراف بأن الحزب يقاتل مباشرة من أجل المصالح الإيرانية وبقرار من الولي الفقيه وقال إن الحزب "لا يقاتل حتى من أجل الشيعة"، بل ربط مصير الطائفة الشيعية ولبنان ككل بمصير طهران، وبنتائج أي تفاوض قد يحصل بين إيران والولايات المتحدة الأميركية.
واعتبر أن هذا الواقع يضع الدولة اللبنانية في موقع العاجز عن ممارسة سيادتها الكاملة، مشيرا إلى أن الحزب فوض إيران بشكل حصري للتفاوض وفرض قرارها الأمني والعسكري، في مقابل تحذيره الدولة اللبنانية من القيام بأي دور تفاوضي مستقل.
وفي ما يتعلق بالتطورات الميدانية، قال جرمانوس إن إسرائيل لا تسعى فقط إلى التقدم العسكري على الأرض، بل تعمل أيضا على تغيير الواقع الديموغرافي في الجنوب اللبناني، لافتا إلى أن الاحتلالات السابقة في عامي 1978 و1982 شهدت بقاء جزء كبير من السكان الشيعة في قراهم وبلداتهم، بل إن بعضهم تعاون مع إسرائيل أو عمل داخلها آنذاك، بينما تختلف الصورة اليوم نتيجة العداء المتفاقم الذي كرسته المواجهة الحالية.
ورأى أن ما يحدث اليوم لا يقتصر على السيطرة على الأرض، بل يمتد إلى "إزالة الشعب وتغيير المعاني الجغرافية والديموغرافية"، معتبرا أن استمرار الحزب في ربط مصيره بطهران قد يدفع الأمور نحو مزيد من التصعيد المفتوح على كل الاحتمالات، وتقدم إسرائيلي قد يصل إلى ما بعد نهر الأولي.
كما وصف جرمانوس الدولة اللبنانية بأنها غائبة بالكامل عن ممارسة سلطتها، رافضا توصيفها بالعاجزة فقط. وقال إن الدولة الحقيقية لا تدار بمنطق "الحوار والمصالحة" عندما يتعلق الأمر بفرض السيادة، بل عبر تطبيق القانون والأحكام القضائية الواضحة والحاسمة.
وأشار إلى أن أزمة لبنان السيادية تعود إلى أواخر ستينيات القرن الماضي، حين بدأت ظاهرة خروج القرار الأمني والعسكري من يد الدولة، وتكرست لاحقا مع اتفاق القاهرة وما تبعه من أحداث أدت إلى إضعاف سلطة الدولة على أراضيها.
وعليه، يبدو أن حزب الله لا يزال يصر على جر لبنان إلى معارك تخدم المشروع الإيراني أكثر مما تخدم اللبنانيين الذين يدفعون وحدهم ثمن الدمار والتهجير والانهيار. وبين خطاب التهديد والواقع الميداني المتهاوي، تتكرس صورة حزب فقد القدرة على قراءة التحولات، لكنه لم يفقد بعد استعداده للتضحية بالدولة اللبنانية دفاعا عن حسابات طهران ونفوذها في المنطقة.