May 14, 2026   Beirut  °C
سياسة

الخبير في الشؤون الأميركية علي بردى: فشل المفاوضات قد يمنح إسرائيل هامشا أوسع للتصعيد في لبنان

تتجه الأنظار اللبنانية، السياسية منها والشعبية، إلى ما ستفضي إليه جلستا اليوم والجمعة من مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، وسط مناخ إقليمي متوتر، لا سيما المرتبط بالمفاوضات الإيرانية - الأميركية.

وفي وقت تؤكد فيه طهران تمسكها بما تعتبره "الورقة اللبنانية" وترفض التخلي عنها ضمن أي تسوية مع واشنطن، تتصاعد التساؤلات في الداخل اللبناني حول قدرة رئيس الجمهورية جوزاف عون على تحييد لبنان عن صراعات المحاور وانتزاع هذا الملف من دائرة التجاذب الإقليمي، وذلك من خلال قرار التفاوض المباشر مع إسرائيل.

وفي موازاة ذلك، يبرز تساؤل أساسي حول حقيقة الموقف الأميركي من إصرار إيران على إبقاء لبنان ضمن أوراق التفاوض، وما إذا كانت الإدارة الأميركية تتعامل مع هذا الملف باعتباره جزءا من التفاهمات الكبرى في المنطقة، أو أنها ستسعى إلى فصله عن مسار التفاوض مع طهران. كما تتجه الأنظار إلى مدى استعداد واشنطن للضغط على إسرائيل لتسهيل أي تفاهم محتمل، أو العكس، عبر منحها هامشا أوسع للتصعيد في حال تعثرت المحادثات مع لبنان.


وتزداد المخاوف مع تمسك لبنان بشرط وقف شامل وكامل لإطلاق النار كمدخل أساسي لأي تفاوض، مقابل رفض إسرائيلي واضح لهذا الشرط وإصرارها على مواصلة عملياتها العسكرية في جنوب لبنان.


ومن هنا، تتعاظم الهواجس بشأن مآلات هذه المفاوضات إذا ما فشلت جولتا اليوم والجمعة، وما إذا كان ذلك سيؤدي إلى إعادة الملف اللبناني إلى واجهة التصعيد، خصوصا في ظل المخاوف من احتمال أن يخرج الرئيس الأميركي لبنان من دائرة اهتماماته، بما قد يفتح الباب أمام منح إسرائيل ضوءا أخضر لتوسيع عملياتها العسكرية داخل الأراضي اللبنانية.


أمام هذا الواقع المتشابك، شرح الخبير في الشؤون الأميركية من واشنطن الصحافي علي بردى طبيعة المرحلة وحساباتها، مؤكدا أن قرار الحكومة اللبنانية الذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل يمنح زخما واضحا لما تريده الإدارة الأميركية، لا سيما في ما يتعلق بفصل المسار اللبناني - الإسرائيلي عن المسار الأميركي - الإيراني، سواء في ما يتصل بالحرب الدائرة بين حزب الله وإسرائيل أو بالمفاوضات القائمة بين واشنطن وطهران.


وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن الولايات المتحدة تسعى إلى التعامل مع الملف اللبناني بصورة مستقلة عن التفاوض مع إيران، إلا أن ذلك لا يعني إطلاقا غياب التأثير الإيراني عن الساحة اللبنانية، مشيرا إلى أن حزب الله لا يزال يتحرك ضمن الإطار الاستراتيجي المرتبط بطهران، وأن مسؤولي الحزب يربطون بصورة واضحة بين نتائج المحادثات الأميركية - الإيرانية وبين مستقبل المواجهة القائمة مع إسرائيل، على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار القائم شكليا.


أضاف بردى: المشهد الحالي يبقى معلقا على مسارين متوازيين: الأول يتعلق بالمفاوضات الأميركية - الإيرانية وما قد ينتج عنها من انعكاسات على ملفات الشرق الأوسط عموما، وعلى النزاع اللبناني - الإسرائيلي خصوصا، أما المسار الثاني فيرتبط بالمفاوضات المباشرة القائمة بين لبنان وإسرائيل، وما إذا كانت ستؤدي إلى نتائج متزامنة مع التفاهمات الإقليمية الأوسع.


وأشار إلى أن الحديث عن "التلازم" بين المسارين لا يعكس تماما الرؤية الأميركية، موضحا أن واشنطن تميل إلى مقاربة تقوم على "التزامن" لا "التلازم"، في حين تتمسك إيران بفكرة الربط الكامل بين مختلف الملفات الإقليمية، بما فيها الورقة اللبنانية.


وفي ما يتعلق بتداعيات فشل الجلسات المرتقبة للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل، لا سيما وأن لبنان يذهب إلى هذه المحادثات تحت عنوان أساسي يتمثل بوقف كامل لإطلاق النار، في وقت ترفض فيه إسرائيل الالتزام بهذا الشرط بصورة نهائية، أشار بردى إلى أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنظر إلى المواجهة الحالية على أنها حرب بين إسرائيل وحزب الله، وليس بين لبنان وإسرائيل كدولتين، معتبرا أن هذه المقاربة الأميركية قد تكون قاصرة عن فهم التعقيدات اللبنانية الداخلية والتوازنات الدقيقة المرتبطة بالوضع اللبناني.


وشدد على أن حزب الله يمثل في جانب أساسي منه إرادة إيرانية في المنطقة، وأن استمرار المواجهة لا يمكن فصله عن مستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران، ولا عن موقع إيران الإقليمي، مشيرا إلى أن إسرائيل، على الرغم من تأكيدها استهداف مواقع الحزب، تنفذ عمليات واسعة تطاول البنية المدنية والقرى الجنوبية اللبنانية، ما يجعل الواقع الميداني أكثر تعقيدا من مجرد مواجهة عسكرية محدودة.


وأكد بردى أن الدولة اللبنانية تجد نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية، إذ لا يمكن تجاهل وجود أراض لبنانية محتلة، كما لا يمكن في الوقت نفسه تجاهل الضغوط الأميركية والإسرائيلية الرامية إلى إضعاف حزب الله أو إنهاء دوره العسكري بصورة كاملة، مع الإشارة إلى أن الحزب يقدم، وفقا لبردى، مقاومة وصفت بـ "الاستثنائية"، على الرغم من الخسائر الكبيرة التي لحقت به.


وقال إن أي حل فعلي للأزمة يبقى مرتبطا بوقف شامل للعمليات العسكرية، وهو قرار لا يرتبط فقط بإسرائيل، بل أيضا بموقف "حزب الله" وإيران، ما يجعل المشهد اللبناني مفتوحا على احتمالات عدة في المرحلة المقبلة.


وعليه، وأكثر من أي وقت مضى، آن الأوان لأن يترك للبنان المجال كاملا لاستعادة قراره السيادي، وأن تخفف كل أشكال التدخلات الخارجية في شؤونه الداخلية، بما يتيح للدولة اللبنانية تعزيز سلطتها وتمكين مؤسساتها الشرعية من إدارة شؤون البلاد بما يحفظ أمن اللبنانيين واستقرارهم. فلبنان الذي دفع أثمانا باهظة على مدى عقود، ولا يزال، نتيجة صراعات إقليمية ودولية حصلت على أرضه، لم يعد يحتمل مزيدا من الأزمات أو الانزلاق نحو مواجهات مفتوحة.