تترقب الأوساط السياسية زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى دمشق ولقاءه الرئيس السوري أحمد الشرع، وما قد تحمله من ملفات سياسية واقتصادية وأمنية، في ظل مرحلة تشهد إعادة قراءة للعلاقات بين البلدين بعد سنوات من التوتر والتباعد. ويرافق سلام في هذه الزيارة وفد وزاري، في خطوة تهدف إلى إعادة تنظيم العلاقات بين البلدين وفتح مسارات تعاون جديدة بين الوزارات المعنية.
فهل تشكل هذه الزيارة مدخلًا فعليًا لإعادة ترتيب العلاقات اللبنانية-السورية على أسس جديدة؟ وإلى أي مدى يمكن أن تنعكس نتائجها على الملفات العالقة بين البلدين سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا؟
في هذا السياق، اعتبر رئيس تحرير "أساس ميديا" الصحافي زياد عيتاني أن زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى سوريا هذه المرّة تتّسم بسمة خاصة، تتمثّل في إعادة بناء العلاقات بين لبنان وسوريا، بخاصة أن الرئيس سلام تقصّد ألا تكون زيارته فردية أو بروتوكولية عابرة، بل أن تتم على رأس وفد وزاري كامل.
وأوضح، عبر منصّة "بالعربي"، أنّ هذه الزيارة تحمل دلالات سياسية وإدارية واضحة، إذ من المنتظر أن تطرح كل وزارة مع نظيرتها في سوريا سبل التعاون الممكنة، وما يمكن أن يشكل مصالح مشتركة بين البلدين، تمهيدًا لترسيخ هذه التفاهمات ضمن اتفاقيات واضحة بين دولة وأخرى، بما يعكس انتقال العلاقة إلى مستوى مؤسساتي ورسمي أكثر ثباتًا.
وأشار عيتاني إلى أنّ الرئيس نواف سلام يلتقي مع الرئيس أحمد الشرع على منطق واحد، يقوم على الاعتراف المتبادل بأن سوريا دولة قائمة بحدّ ذاتها، باستقلاليتها وسيادتها، كما أن لبنان دولة قائمة بحد ذاته، باستقلاله وسيادته، إلا أن ما يجمع البلدين من جغرافيا مشتركة، وهم عربي واحد، وهوية عربية جامعة، يفرض نوعًا من التوافق والتفاهم حول سبل التعاون وآليات تنظيم العلاقة بين الجانبين، بما يخدم مصلحة الشعبين.
وأضاف أن هذه الزيارة تؤسّس فعليًا لمرحلة جديدة في العلاقات اللبنانية-السورية، تعاكس المرحلة السابقة التي سادت خلال فترة حكم الأسد، والتي قامت، بحسب توصيفه، على الهيمنة والتدخل وعدم التوازن في العلاقة، فيما تؤسس الزيارة الحالية لعلاقات مختلفة قوامها الندية والاحترام المتبادل والأخوّة، وتحكمها الصداقة والود بين دولتين مستقلتين، لكل منهما سيادته وقراره الوطني المستقل.
وفي ما يتعلق بالملفات المطروحة بين لبنان وسوريا، لفت عيتاني إلى أنّه لا يمكن الحديث عن ملفات عالقة بقدر ما هي ملفات قائمة ومطروحة بين البلدين، تبدأ أولًا من ملف الحدود، وهو ملف يحظى برعاية عربية، ولا سيما سعودية، نظرًا لأهميته في ضبط العلاقات بين البلدين وترسيم التعاون الأمني والإداري. كما يشمل البحث الشأن الاقتصادي، بخاصة أن سوريا تشكّل المعبر الأساسي للبضائع اللبنانية نحو العمق العربي، ما يجعل أي تفاهم اقتصادي بين البلدين ذا أهمية كبيرة للبنان.
وتابع أن من بين الملفات الأساسية أيضًا مسألة تنظيم العلاقات الثنائية وتنظيم العمالة السورية في لبنان، بما يحفظ مصلحة البلدين ويضبط سوق العمل والواقع الاجتماعي، إضافة إلى بعض الملفات الأخرى، ومنها ملف الموقوفين، الذي شهد اتفاقية أولى في المرحلة السابقة، ويبدو أن هذا الملف سوف يُستكمل ويُتابع خلال المرحلة المقبلة للوصول إلى معالجات أوسع.
وعن توقيت الزيارة، التي سبقتها زيارة الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط إلى دمشق، شدّد عيتاني على أنّه لا توجد علاقة مباشرة بين الزيارتين، ولا يمكن وضعهما في إطار واحد، بل على العكس، فإن جنبلاط نقل إلى الرئيس نواف سلام رغبة الدولة السورية في إقامة أفضل العلاقات الندية بين البلدين، بما يعكس توجّهًا سوريًا واضحًا نحو فتح صفحة جديدة مع لبنان.
وختم بالإشارة إلى أن هذا التوجه لم يبدأ اليوم، بل كان موجودًا لدى الرئيس نواف سلام منذ لقائه الأول مع الرئيس أحمد الشرع، وهو ما يُفترض أن يُستكمل ويترسّخ خلال هذه الزيارة، بما قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات الرسمية بين بيروت ودمشق، قائمة على التعاون المتبادل والاحترام المشترك.
وعليه، لا تبدو هذه الزيارة مجرد زيارة عادية أو بروتوكولية، إذ تأتي في سياق إعادة رسم ملامح العلاقات اللبنانية-السورية، في ظل تبلور واقع إقليمي جديد يفرض مقاربات مختلفة في التعاطي بين الدولتين، ما يجعل نتائجها محطّ ترقب لمدى قدرتها على تحويل هذا التوجه إلى مسار عملي ومستقر.