في ظل التقدّم الواضح للدور الأميركي في لبنان، سواء على مستوى الملفات الأمنية والسياسية أو في ما يتصل بالجنوب، يبرز تساؤل متجدد حول قدرة فرنسا على الحفاظ على حضورها التقليدي داخل الساحة اللبنانية، التي لطالما شكلت إحدى أبرز ساحات نفوذها التاريخي. فباريس، التي لعبت على مدى عقود دورًا أساسيًا في مقاربة الأزمات اللبنانية، تبدو اليوم أمام واقع إقليمي ودولي مختلف، تزداد فيه فاعلية الدور الأميركي في إدارة الملفات الحساسة المرتبطة بلبنان والمنطقة.
وفي هذا السياق، تكتسب الزيارة المرتقبة للموفد الرئاسي الفرنسي "جان إيف لودريان" إلى بيروت خلال الأيام القليلة المقبلة أهمية خاصة، إذ تأتي في توقيت دقيق يشهد حراكًا دوليًا متسارعًا حول مستقبل لبنان، ودور الجيش، وآلية التعامل مع المرحلة المقبلة. كما تفتح هذه الزيارة الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كانت باريس تسعى إلى الحفاظ على موقعها في الملف اللبناني، ومحاولة إعادة تفعيل دورها السياسي والدبلوماسي، في ظلّ التوازنات الجديدة التي باتت واشنطن تمسك بجزء كبير من مفاصلها.
وانطلاقًا من الحديث عن أهمية الدور الفرنسي في لبنان، أكد رئيس تحرير جريدة "نداء الوطن" أمجد إسكندر أن التحركات الفرنسية الأخيرة، ولا سيما زيارة مسؤولين عسكريين فرنسيين إلى لبنان خلال اليومين المقبلين، تندرج ضمن إطار الدور الذي تلعبه فرنسا داخل قوات "اليونيفيل" في الجنوب، حيث تتمتع القوات الفرنسية بثقل داخل هذه القوة الدولية.
وأوضح، عبر منصّة "بالعربي"، أن "اليونيفيل" تواجه اليوم صعوبات ميدانية متزايدة، ما يفرض على رئيس الأركان الفرنسي بحث أوضاع القوات الفرنسية المنتشرة في الجنوب، والتي تجد نفسها بين ضغوط متبادلة على الأرض.
ولفت إسكندر إلى أن فرنسا لطالما دعمت الجيش اللبناني، مشيرًا إلى أن مؤتمرًا كان مقررًا لدعم الجيش في بداية آذار الماضي تم تأجيله بسبب قيام حزب الله بفتح الحرب مع إسرائيل تحت ما سمّاه "الثأر للمرشد الإيراني".
وأشار إلى أن هذا المسار يعكس قدرة فرنسا على لعب دور مزدوج في لبنان، من خلال دعم الجيش اللبناني من جهة، ومن خلال موقعها داخل "اليونيفيل"، ومن ثمّ في مجلس الأمن في ما يتعلق بملفها، من جهة أخرى.
وفي هذا السياق، ذكر إسكندر أن هناك نقاشات حول مستقبل وجود "اليونيفيل" مع اقتراب انتهاء مهمتها في نهاية العام، واحتمال طرح بدائل، من بينها تشكيل قوة متعددة الجنسيات تتولى مهام مشابهة، ولكن بصلاحيات أوسع لفرض الأمن عند الحاجة.
وأضاف أن التحركات الفرنسية، سواء عبر الموفد "جان إيف لودريان" أو ما سبقها من زيارات لوزير الخارجية الفرنسي "جان نويل بارو"، تندرج ضمن هامش دعم الجيش اللبناني والمشاركة في النقاشات المتعلقة بترتيبات الجنوب، في وقت لا تتطابق فيه المقاربة الفرنسية دائمًا مع المقاربة الأميركية، حيث يبدو الدور الأميركي أكثر تأثيرًا في ملفات التفاوض المباشر، فيما تبقى لفرنسا مساحة تحرّك مرتبطة بعلاقاتها التاريخية مع لبنان ودورها داخل المؤسسات الدولية.
وفي المحصلة، يبدو أن اهتمام فرنسا بلبنان يبقى اهتمامًا تاريخيًا متجذرًا، لكنه اليوم يتجدّد ويتكيف مع الواقع الحالي والتغيرات التي تشهدها المنطقة. ففرنسا، التي كان لها حضور أساسي في محطات مفصلية من تاريخ لبنان، تحاول اليوم الحفاظ على هذا الدور وإعادة تموضعه بما يتناسب مع التوازنات الإقليمية والدولية، ومع تداخل أكثر من لاعب على الساحة اللبنانية.