May 06, 2026   Beirut  °C
سياسة

نزيه متّى: المطلوب حوار وطني شامل للوصول إلى صيغة سياسية جديدة

مع تزايد المؤشرات حول احتمال توقف الحرب في لبنان، لم يعد النقاش العام محصورًا بحدود وقف إطلاق النار أو بتفاصيل التسويات السياسية الآنية، بل بدأ يتجه تدريجيًا نحو مرحلة أكثر تعقيدًا وحساسية: مرحلة ما بعد الحرب. ففي هذه المرحلة، لا تكفي المعالجات الظرفية أو الحلول المؤقتة، بل يفرض الواقع طرح أسئلة جوهرية تتصل ببنية الدولة نفسها، وبقدرتها على النهوض من جديد واستعادة دورها كمرجعية جامعة لجميع اللبنانيين.

فالهدنة، في حال تحققت، لن تكون سوى بداية لمسار طويل ومليء بالتحديات، إذ إن التجارب السابقة أظهرت أن نهاية المواجهات العسكرية لا تعني بالضرورة انتهاء الأزمات، بل غالبًا ما تكشف حجم الاختلالات المتراكمة في النظام السياسي والاجتماعي. ومن هنا، يبرز التحدي الأساسي في كيفية الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء الدولة، بما يتطلبه ذلك من إعادة صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وترميم الثقة التي تآكلت بفعل الانقسامات والتوترات والخيارات المتضاربة.


وفي هذا السياق، يتقدم ملف العيش المشترك كأحد أبرز الاختبارات التي ستواجه لبنان في المرحلة المقبلة، إذ إن الحفاظ على هذا النموذج لم يعد مسألة تلقائية، بل يحتاج إلى إعادة تثبيت قواعده على أسس أكثر صلابة، تضمن المساواة بين المواطنين، وتحد من منطق الاصطفافات والانتماءات الضيقة. فالدولة، لكي تستعيد حضورها، مطالبة بأن تكون قادرة على احتواء جميع مكوّناتها ضمن إطار قانوني ومؤسساتي واحد، يعيد الاعتبار لفكرة المواطنة كمرتكز أساسي للحياة العامة.


وعليه، فإن أي مسار مقبل لن يكون مجرد تسوية سياسية عابرة، بل سيكون اختبارًا فعليًا لقدرة اللبنانيين على إعادة بناء دولتهم وترميم نسيجهم الاجتماعي، بما يسمح بفتح صفحة جديدة تتجاوز إرث الأزمات المتراكمة، وتؤسس لمرحلة أكثر استقرارًا وتوازنًا.


في هذا الإطار، أكد عضو تكتل الجمهورية القوية، النائب نزيه متّى، أن أي دولة تخرج من حرب أو أزمة كبرى يفترض أن تثبت لشعبها أنها المرجعية الأساسية في إدارة شؤون البلاد، على المستويات الأمنية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية، وأن تكون الجهة القادرة على الإمساك بزمام الأمور وتوحيد القرار الوطني، وتأمين الحماية للمواطنين ومعالجة تداعيات ما بعد الحرب، مشيرًا إلى أن الدولة، إذا لم تقم بهذا الدور بشكل كامل، فإنها تفقد جزءًا من قدرتها على ضبط الاستقرار الداخلي.


واعتبر، عبر منصة "بالعربي"، أن غياب هذا الدور أو ضعفه يدفع الناس إلى البحث عن بدائل توفر لهم الحماية والخدمات، سواء على المستوى الأمني أو الاجتماعي، ما ينعكس على تماسك الدولة واستقرارها، ويؤدي تدريجيًا إلى اهتزاز مفهوم المرجعية الواحدة للدولة.


وشدد على أن إعادة بناء الدولة لا يمكن أن تتحقق إذا بقي أي مكون يعتبر نفسه خارج إطارها أو أعلى من سائر المكونات، لأن الدولة لا تستقيم إلا على قاعدة المساواة بين جميع اللبنانيين، ووجود هدف وطني جامع يحدد وظيفة الدولة ودورها تجاه مواطنيها، بحيث يكون الانتماء الأول والأخير لها.


وفي قراءته للمسار اللبناني، أشار متّى إلى أن البلاد مرت بمحطات مفصلية متتالية، بدءًا من مرحلة ما قبل الحرب الأهلية وما شهدته من اختلالات سياسية، مرورًا بالحرب عام 1975، وصولًا إلى اتفاق الطائف الذي شكل محطة أساسية لكنه لم يُطبق بالكامل، ثم مرحلة الوصاية السورية حتى عام 2005، وما تبعها من تحولات في موازين النفوذ الإقليمي، خصوصًا مع دخول التأثير الإيراني عبر حزب الله، وهو ما انعكس، بحسب رأيه، على انتظام الصيغة السياسية في لبنان وعلى طبيعة إدارة الدولة.


وانطلاقًا من ذلك، دعا إلى حوار وطني شامل على طاولة مستديرة، يتيح لكل الأطراف عرض هواجسها واعتراضاتها المتراكمة ومكامن الغبن التي تعتبر أنها تعرضت لها، بهدف الوصول إلى صيغة سياسية جديدة تحفظ وحدة لبنان، وتعيد تنظيم العلاقة بين الدولة ومكوناتها على قاعدة واضحة من الحقوق والواجبات داخل مساحة جغرافية واحدة.


وأضاف متّى أن تجاوز الانقسام يتطلب إنهاء منطق الولاءات المتعددة داخل الدولة، بحيث يكون الانتماء الأول للبنان، لا للطائفة أو الحزب أو أي ارتباط خارجي، لأن تعدد المرجعيات داخل الدولة يضعفها ويحول دون قدرتها على فرض سيادتها بشكل كامل.


كما شدد على ضرورة الفصل بين الدين والدولة، بحيث تبقى حرية المعتقد مصانة، فيما تُدار الدولة على أساس وطني جامع، وأن تتنافس الأحزاب على تحسين حياة الناس وتطوير النظام الاجتماعي والاقتصادي، لا على تكريس الانقسام أو النفوذ أو المكاسب السياسية.


وختم متّى بالتأكيد أنّ الاستقرار الحقيقي لا يقوم على تسويات مؤقتة تُدار تحت الضغط، بل على تفاهم وطني واضح وطويل الأمد يرسّخ احترام القانون، ويضمن حقوق جميع المكوّنات ضمن إطار الدولة الواحدة، بحيث يعرف كل طرف حقوقه ويلتزم واجباته تحت سقف دولة واحدة ومرجعية واحدة.


في النهاية، وبعد كل ما عاشه اللبنانيون من مشاكل وانقسامات وتجارب قاسية، من الحروب الأهلية وغيرها إلى التوترات المتتالية، وما رافقها من استخدام منطق القوة أو شعور بعض الأطراف بالتفوّق أو الاستعلاء على الآخرين، تبدو الحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة تثبيت فكرة الدولة كإطار وحيد للحياة المشتركة. وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن أي مسار مقبل لن يكون مجرد تسوية عابرة، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة اللبنانيين على إعادة بناء عيشهم المشترك تحت سقف الدولة الواحدة.