May 05, 2026   Beirut  °C
سياسة

وهبي قاطيشا: الخط الأصفر يتمدد.. والمفاوضات لا تحسم الانسحاب الإسرائيلي

على الرغم من الحديث عن هدنة توصلوا إليها بضغط من الجانب الأميركي ولمدة أربعين يوما، إلا أن هذه التهدئة لم تنعكس فعليا على الجنوب اللبناني، حيث استمرت الغارات والعمليات العسكرية بوتيرة مرتفعة، مع تصاعد الدمار في عدد من البلدات الحدودية. كذلك، تواصل إسرائيل تثبيت انتشارها في النقاط والمراكز المتقدمة المشرفة على المناطق الحدودية، ضمن ما يعرف بالخط الأصفر، في وقت لا تزال فيه المفاوضات مفتوحة على احتمالات عدة. فأين أصبح هذا الخط اليوم؟ وهل يتجه إلى مزيد من التوسع، أم أن المفاوضات ستقود إلى تراجع ميداني وتهدئة منتظرة؟

في هذا الإطار، أكد النائب السابق والعميد المتقاعد وهبي قاطيشا أن ما يتداول حول هدنة بضغط أميركي لمدة أربعين يوما لم ينعكس بشكل فعلي على الأرض في الجنوب اللبناني، موضحا أن العمليات العسكرية الإسرائيلية لم تتوقف، بل استمرت بوتيرة متفاوتة بين التصعيد والتهدئة النسبية، مع استمرار استهداف عدد من القرى والبلدات الحدودية وما رافق ذلك من دمار واسع، ما يدل على أن وقف إطلاق النار لا يزال جزئيا وغير مكتمل.


وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن إسرائيل واصلت تثبيت حضورها الميداني ضمن ما يعرف بالخط الأصفر، أي النقاط والمواقع المتقدمة المشرفة على الجانب اللبناني من الحدود، لافتا إلى أن هذا التمركز لم يبق ثابتا، بل شهد في بعض المراحل تحركا إضافيا وتوسعا تجاوز حدود النقاط الأولى، وصولا إلى عمق أكبر في بعض المناطق شمال الليطاني، خصوصا في محيط النبطية وبعض القرى المحيطة، ما يعكس برأيه محاولة مستمرة لفرض وقائع ميدانية جديدة على الأرض.


وقال قاطيشا إن الضغوط لا تأتي فقط من التطورات الميدانية، بل أيضا من الداخل الإسرائيلي، مشيرا إلى وجود أصوات داخل الجيش الإسرائيلي وفعاليات سياسية إسرائيلية تضغط على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من أجل استكمال العمليات العسكرية وعدم التوقف عند الحدود الحالية، انطلاقا من قناعة لدى هذه الجهات بضرورة مواصلة الحرب حتى إنهائها وتحقيق أهدافها بالكامل.


ولفت إلى أن هذا المسار لا يمكن فصله عن طبيعة المشهد العام، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية مع السياسية، سواء من جهة استمرار المواجهة مع حزب الله أو من جهة غياب تسوية نهائية واضحة. وقال إن أي تصعيد ميداني، ولو محدود، ينعكس مباشرة على سلوك الجيش الإسرائيلي، الذي يستغله لتوسيع هامش تحركه أو لتثبيت نقاط إضافية على الأرض.


وفي هذا السياق، اعتبر قاطيشا أن إسرائيل تنظر إلى استمرار وجود سلاح خارج إطار الدولة اللبنانية كعامل أساسي في استمرار العمليات، معتبرا أن هذا الملف يشكل بالنسبة لها مدخلا رئيسيا لأي تفاوض أو أي انسحاب مستقبلي من المواقع التي تقدمت إليها، ما يجعلها تربط بين المسار الميداني والمسار السياسي بشكل مباشر.


في المقابل، رأى أن الدولة اللبنانية تجد نفسها في موقع شديد التعقيد، إذ تقف بين ضغطين متوازيين: ضغط إسرائيلي متواصل على الحدود الجنوبية، وضغط داخلي ناتج عن استمرار وجود قوة عسكرية خارج مؤسسات الدولة. وهذا الواقع، برأيه، يحد من قدرة الدولة على فرض سيادة كاملة أو اتخاذ قرار حاسم على المستوى الأمني، ما يدفعها أكثر نحو الاعتماد على القنوات الدبلوماسية ومحاولات تثبيت وقف إطلاق النار.


أما في ما يتعلق بالمفاوضات، فأوضح قاطيشا أن أي تقدم سياسي يمكن أن يخفف من حدة التصعيد، إلا أن مسألة الانسحاب الإسرائيلي من المواقع المتقدمة تبقى غير محسومة، كونها مرتبطة بجملة من الشروط الأمنية، وفي مقدمها ملف سلاح حزب الله، إلى جانب الضمانات المتعلقة بالحدود.


وحذر من أن تعثر المفاوضات أو عدم الوصول إلى تفاهم واضح قد يؤدي إلى مرحلة أكثر خطورة، قد تتوسع فيها العمليات العسكرية لتشمل مناطق إضافية في الجنوب وربما تمتد إلى مناطق أخرى، في حال فقدت الأطراف القدرة على ضبط قواعد الاشتباك الحالية، مؤكدا أن الحل الجذري لا يمكن أن يكون إلا عبر تثبيت سلطة الدولة اللبنانية وحدها على كامل أراضيها، لأن استمرار تعدد المرجعيات الأمنية والعسكرية يُبقي الجنوب في دائرة مفتوحة من التوتر والتصعيد دون أفق واضح للاستقرار.


ختاما، وبينما أفضت المفاوضات إلى تهدئة نسبية في بعض المناطق خصوصا في بيروت، فيما بقي الجنوب تحت القصف والتدمير، لا يزال المشهد اللبناني مفتوحا على مزيد من التعقيد والضبابية. فمع استمرار حزب الله في التمسك بمواقفه وعدم إبداء تراجع واضح، مقابل مواصلة إسرائيل سياسة الضغط والتقدم الميداني، تبدو الساحة الجنوبية مرشحة لمزيد من التوتر، خصوصا في ظل تعقد وانقسام المشهد الداخلي، ويبقى ما يعرف بالخط الأصفر قابلا للتوسع أو التبدل تبعا لما ستفرضه التطورات العسكرية ومسار التفاوض في المرحلة المقبلة.