في حلقةٍ جديدةٍ من برنامج "حوار الليلة" عبر منصة "بالعربي" مع الإعلامي ربيع ياسين، قدم الصحافي طوني بولس قراءةً سياسيةً حادةً وموسعةً للواقع اللبناني، تطرق فيها إلى مسار المفاوضات مع إسرائيل، ودور حزب الله، وأداء المنظومة السياسية، إضافةً إلى زيارة وليد جنبلاط إلى سوريا وما أثارته من جدلٍ واسعٍ في الأوساط السياسية.
في مستهل الحوار، استعاد بولس حادثة الإشكال الإعلامي الذي وقع معه مؤخراً، معتبرًا أن ما حصل ليس حدثًا عابرًا، بل يعكس نمطًا متكررًا في التعاطي السياسي والإعلامي لدى حزب الله ومحيطه، حيث يتم اللجوء إلى العنف بدل الحوار، وإلى التخوين بدل النقاش. وأكد أن الإعلام يجب أن يبقى مساحةً للتعبير وتبادل الآراء، لا ساحةً لتصفية الحسابات، مشددًا على أن الانحدار في الخطاب السياسي بات يهدد الحياة العامة في لبنان.
ورأى بولس أن لبنان يقف اليوم أمام مفترقٍ حاسمٍ: إما استعادة الدولة ومؤسساتها، أو الاستمرار في الانزلاق نحو نموذج "اللا دولة"، الذي أنتج انهيارًا اقتصاديًا غير مسبوق، وفتح الباب أمام الهجرة الواسعة وتفكك المجتمع، معتبرًا أن ما يعيشه اللبنانيون اليوم ليس قدرًا، بل نتيجةً مباشرةً لخياراتٍ سياسيةٍ فُرضت على الدولة، وفي مقدمتها خيارات حزب الله العسكرية والإقليمية، التي حملت لبنان أثمانًا باهظةً على المستويات كافة، من الأمن إلى الاقتصاد.
في ملف المفاوضات، شدد بولس على أن خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل لم يعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورةً فرضتها الوقائع الميدانية، لافتًا إلى أنّ هذا المسار جاء بقرارٍ واضحٍ من رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، وبغطاءٍ دولي، خصوصًا من الولايات المتحدة.
وأشار إلى أن "طاولة المفاوضات شكلت فرصةً لوقف التصعيد العسكري، ولو جزئيًا"، معتبرًا أنها قد تكون المدخل الوحيد لإخراج لبنان من دائرة الحروب المفتوحة، في ظل غياب أي بدائل واقعية. وفي المقابل، حذر من أن فشل هذا المسار سيعيد البلاد إلى جولةٍ جديدةٍ من العنف، قد تكون أكثر قسوةً واتساعًا، وقد لا تبقى محصورةً في الجنوب، بل تمتد إلى الداخل اللبناني.
كما شن بولس هجومًا لاذعًا على حزب الله، معتبرًا أنه لم يعد يشكل عامل حمايةٍ للبنان كما كان يدعي، بل تحول إلى عبءٍ ثقيلٍ على الدولة والمجتمع، نتيجة سياساته التي أدت إلى عزلة لبنان عربيًا ودوليًا، وإلى استنزاف موارده.
وقال إن الحزب "فرض على اللبنانيين نمطَ حياةٍ قائمة على الحرب الدائمة"، مشيرًا إلى أن استمرار وجود سلاح خارج إطار الدولة يعني عمليًا استمرار الانقسام الداخلي وتعطيل أي مشروع إصلاحي، كما يضع لبنان في مواجهة مستمرة مع محيطه العربي والدولي.
وفي سياق نقده للمنظومة السياسية، توقف بولس مطولًا عند زيارة وليد جنبلاط إلى سوريا، معتبرًا أنها تعكس استمرار النهج البراغماتي الذي اتبعه طوال مسيرته السياسية.
وأكد أن هذه الزيارة لم تكن مجرد خطوة بروتوكولية، بل محاولة لإعادة التموضع السياسي في لحظةٍ إقليميةٍ حساسةٍ، حيث يسعى جنبلاط، بحسب تعبيره، إلى "حجز موقعٍ له في أي تسويةٍ مقبلةٍ، ولو على حساب ثوابت سبق أن أعلنها".
وأشار إلى أنّ جنبلاط "لطالما غير تموضعه وفق موازين القوى"، ما يطرح تساؤلاتٍ حول ثبات الخيارات السياسية في لبنان، ويعكس أزمةً عميقةً في بنية النظام القائم على المصالح لا المبادئ.
وأضاف أن هذه الزيارة أثارت امتعاضًا لدى رئيس الحكومة نواف سلام، خصوصًا أنها جاءت في توقيتٍ دقيقٍ، وفي ظل محاولات إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية، ما يجعلها، وفق بولس، "جزءًا من لعبة تموضع لا أكثر".
كما اعتبر أنّ جنبلاط "يشكّل أحد أركان المنظومة التي عطّلت قيام الدولة"، من خلال مشاركته في الحكومات المتعاقبة واستفادته من نظام المحاصصة، واصفًا إيّاه بـ "الخبيث" على حد تعبيره.
وفي الشق القانوني، انتقد بولس القوانين التي تجرّم التواصل مع الإسرائيليين، واصفًا إياها بأنها "قديمة ومتخلفة ولا تتناسب مع الواقع الحالي"، لافتًا إلى أنّها تعيق الاقتصاد اللبناني في ظل الانفتاح العالمي.
كما اعتبر أنّ هذه القوانين استُخدمت أحيانًا كأداةٍ لتصفية الحسابات السياسية، داعيًا إلى إطلاق ورشةٍ تشريعيةٍ شاملةٍ لتحديث القوانين بما يواكب متطلبات العصر.
بالنسبة للجنوب، رأى بولس أن استعادته "لن تتم بالقوة العسكرية"، بل عبر اتفاقٍ سياسيٍ واضح، معتبرًا أنّ المواجهة المفتوحة أثبتت فشلها خلال السنوات الماضية.
أما سلاح حزب الله، فاعتبر أنّه "فقد مبرراته الاستراتيجية"، وأن الحل يكمن في وضعه تحت سلطة الدولة، محذرًا من أنّ استمرار هذا الواقع سيبقي لبنان رهينة الصراعات الإقليمية.
توقف بولس عند مواقف المرجعيات الدينية وتحديدًا لدى الطائفة السنية، معتبرًا أن دعمها لمسار الدولة والمفاوضات يعكس تحولًا مهمًا في المشهد السني، في ظل غياب قيادة سياسية موحّدة. كما أشار إلى تحركات نيابية داعمة لهذا التوجه، ما يعزز فرص تثبيت خيار الدولة في مواجهة مشاريع الأمر الواقع.
إقليميًا، رأى بولس أن المنطقة تشهد تحولًا نحو نموذج جديد قائم على الاقتصاد والانفتاح، تقوده دول الخليج، في مقابل تراجع نماذج الصراع التقليدية. واعتبر أنّ لبنان أمام خيارين: إما الانخراط في هذا التحول والاستفادة منه، أو البقاء خارج مسار التطور، مع ما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على مستقبله.
في ختام الحوار، ومع اقتراب ذكرى شهداء الصحافة، أكد بولس أن حماية الصحافيين باتت ضرورة ملحة، في ظل استمرار التهديدات ومحاولات القمع، مشددًا على أن الإعلام الحر سيبقى عنصرًا أساسيًا في معركة بناء الدولة.
لمشاهدة الحلقة كاملة، الرجاء الضغط على الرابط أدناه: