في تصعيدٍ لافتٍ يعكس حجم الاحتقان السياسي القائم، يبدو أن الكيل قد طفح لدى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إزاء ممارسات حزب الله ومواقفه المتهورة التي تدفع لبنان نحو مزيد من التدهور والانزلاق إلى مخاطر كبرى.
فقد أطلق الرئيس عون سلسلة مواقف حازمة بدت كأنها "صواريخ كلامية" قصيرة وبعيدة المدى، موجهة بوضوح نحو الحزب من دون أن يسميه مباشرة، في هجوم رئاسي غير مسبوق من حيث النبرة والمضمون، طاول أيضاً إيران بوصفها الجهة الراعية لخياراته.
ولم تقتصر مواقف عون على ذلك، بل شكلت ردًا مباشرًا على حملات التخوين التي تستهدفه، والتي طالت موقع الرئاسة والدولة اللبنانية ككل، في محاولة لإعادة رسم معادلة السيادة والقرار الوطني.
وفي هذا السياق، رد عون تهمة الخيانة إلى الحزب، معتبرًا أن الخائن هو من يجر البلاد إلى أتون الحروب خدمةً لمصالح خارجية، محملًا إياه مسؤولية إدخال لبنان في مواجهات من خارج أي إجماع وطني، ومؤكدًا في الوقت نفسه أنه لا يحق لأي طرف أن ينصب نفسه وصيًا على الدولة أو أن يحاسبها.
ولم يكتفِ رئيس الجمهورية بهذا الحد، بل شدد على أن الأجدى بأي طرف لبناني يرفع علمًا غير العلم اللبناني أن يذهب ليعيش في البلد الذي يرفع علمه، في موقف يعكس تمسكًا واضحًا بمفهوم الدولة وسيادتها ووحدة انتمائها الوطني.
كما دافع عن قراره بالتفاوض، معتبرًا أنه "طريق الخلاص" لاستعادة السيادة وإنهاء حالة الحرب، رافضًا في الوقت نفسه "اتفاقيات الذل".
وتعليقًا على التصريح الأخير للرئيس عون، أشار عضو كتلة الكتائب، النائب إلياس حنكش، إلى أن ما صدر عن رئيس الجمهورية يعبر عن توجه أساسي في هذه المرحلة، باعتباره الإطار الذي يمكن أن يُخرج لبنان من الأزمة التي وقع فيها نتيجة مغامرات حزب الله، سواء من خلال ما وصفه بسياسة "المساندة" أو الاستمرار في نهج التصعيد الذي لم يجلب للبنان سوى الأزمات.
وأكد، عبر منصة "بالعربي"، أن اللبنانيين يقفون إلى جانب رئيس الجمهورية في أي خطوة من شأنها أن تحقق مصلحة لبنان واللبنانيين، لافتًا إلى أهمية أن يتمكن الرئيس من التوجه نحو مفاوضات مباشرة بالشكل الذي يراه مناسبًا، على أن يكون محصنًا بوحدة وطنية جامعة تضم مختلف الطوائف والأحزاب والمناطق، بما يعزز موقع لبنان التفاوضي ويؤمن غطاءً وطنيًا شاملًا لأي مسار يُعتمد.
وفي سياق متصل، اعتبر أن هذا التوجه لا ينسجم مع مصالح حزب الله، مبينًا أن قراره ليس مستقلًا، بل مرتبط بإيران التي تخوض بدورها مفاوضات مع "الشيطان الأكبر".
وأضاف أن هذا الواقع يفرض على الحزب الالتزام بالقرار الإيراني، الذي، وفق تعبيره، يتم التفاوض من خلاله على حساب اللبنانيين، حيث يتم الزج بشريحة واسعة منهم في صراعات لا تخدم مصلحة لبنان، بل ترتبط بصراع أوسع بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة.
وأشار حنكش إلى أن لبنان يقف اليوم أمام لحظة مفصلية وتاريخية، معتبرًا أن مبادرة رئيس الجمهورية تعد خطوة جريئة في الاتجاه الصحيح، لا سيما لجهة السعي إلى تثبيت الهدنة والخروج من منطق الحرب.
ولفت إلى أن مسألة الانتقال إلى التطبيع أو السلام تبقى خاضعة لسقف عربي جامع ينبغي على لبنان أن يلتزم به، مع اتخاذ القرارات التي تتوافق مع مصلحته الوطنية.
كما شدد على أن ما وصفه بـ"الاستقلال الجديد" الذي أرساه رئيس الجمهورية يتمثل في فصل المسار اللبناني عن المفاوضات الإيرانية، وإعادة القرار السيادي إلى الدولة اللبنانية، ولا سيما في ما يتعلق بقرارَي السلم والحرب، بحيث يصبحان بيد الشرعية اللبنانية ومؤسساتها الأمنية والعسكرية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني.
وختم بالتأكيد على ضرورة أن يقتنع حزب الله بوجود دولة فعلية في لبنان، وأن يدرك أن إيران إما تخلت عنه أو تفاوض على حسابه، داعيًا إياه إلى التعاون مع قرارات الدولة، ولا سيما تلك الصادرة عن الحكومة، والتي تنص على حصرية السلاح بيد الشرعية واعتبار أي نشاط عسكري خارج إطارها عملًا غير قانوني.
في المحصلة، يتضح أن ما طرحه الرئيس جوزاف عون لا يندرج في إطار سجال سياسي عابر، بل يشكل معالم خارطة طريق وطنية سيادية لبنانية بحتة، قوامها إعادة الاعتبار لمرجعية الدولة وحصرية قرارَي السلم والحرب بيد مؤسساتها الشرعية، وتحييد لبنان عن صراعات المحاور، والانطلاق نحو مقاربة واقعية تحفظ مصلحة اللبنانيين أولًا.
وفي هذا الإطار، يبدو أن الوقت قد حان لأن يقتنع حزب الله بأن الدولة ومؤسساتها الشرعية هي وحدها الضمانة الحقيقية لحمايته وحماية بيئته، لا السلاح الخارج عن إطارها، والذي أثبتت التجارب أنه عاجز عن تأمين الاستقرار، بل أسهم في جرّ الدمار إلى لبنان، وكانت تلك البيئة نفسها من أوائل المتضررين من تداعياته.