في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها مسارات التفاوض مع إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة، يعود ملف حزب الله إلى الواجهة كأحد أكثر العناوين تعقيدا في المشهد اللبناني. فالمسألة لم تعد محصورة بدوره الداخلي، بل باتت مرتبطة مباشرة بما قد تحمله أي تسويات خارجية من انعكاسات على بنيته السياسية والأمنية، وعلى سردية تشكلت عبر عقود من الصراع.
وبين من يعتبره لاعبا محليا أمام استحقاقات إعادة التموضع، ومن يراه جزءا من توازنات إقليمية أوسع، يبرز سؤال جوهري حول حدود التأثير المتبادل بين الداخل اللبناني والتحولات الإقليمية، وحول شكل المرحلة المقبلة التي تبدو مفتوحة على إعادة صياغة عميقة لموازين القوى من دون معالم محسومة حتى الآن.
في هذا السياق، أوضح الصحافي والكاتب طوني أبي نجم أنه في حال سلكت المفاوضات مسارها الطبيعي، فإن ذلك يعني، بحسب رأيه، "مقتلا سياسيا" لحزب الله وانتهاء كل سرديته السياسية. وبالتالي، يرى أن الحزب قد يلجأ إلى أقصى ما يمكن من أجل محاولة عرقلة المفاوضات أو حتى قلب الطاولة داخليا، وهو أمر يمكن توقعه ضمن هذا السيناريو.
وشدد عَبرَ مِنصة "بالعربي" على ضرورة الحذر من هذا الموضوع، معتبرا أن حزب الله يبني وجوده السياسي على منطق العداء لإسرائيل وإبقاء الجبهة مفتوحة، إلى جانب مجموعة من الشعارات التي تطرح في مناسبات عدة، مثل يوم القدس، وغيرها من الشعارات المرتبطة بـ "تحرير القدس" و "اقتحام الجليل" وسواها.
وتابع أبي نجم أن أي مسار تفاوضي قد يقود إلى اتفاق سلام وإنهاء حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل، وما قد يعنيه ذلك عمليا من انطلاق مفاوضات تؤدي إلى اعتراف لبناني رسمي بإسرائيل، سيشكل، بحسب قراءته، نهاية لهذا المسار السياسي القائم، وبالتالي "إجهازا" على دور حزب الله كما هو قائم اليوم. لذلك، رأى أنه من الطبيعي توقع ردود فعل قوية أو غير محسوبة في حال الوصول إلى هذا السيناريو.
أما في ما يتعلق بدور رئيس مجلس النواب نبيه بري، أوضح أنه يتعامل مع هذه الملفات في مشهد يشبه من يمسك بيده قنبلة موقوتة، فيحاول تعطيلها ومنع انفجارها بين يديه. وبالتالي، فهو يعمل ضمن حدود الممكن، وبطريقة تقوم على موازنة دقيقة بين تأييد خطوات رئيس الجمهورية جوزاف عون والحكومة، التي تضيق الخناق على حزب الله من جهة، وبين الحرص على عدم تفجير الساحة الشيعية من الداخل من جهة أخرى، وهو ما يمكن وصفه بإدارة توازنات دقيقة، لافتا إلى أنه يبدو واضحا أن الرئيس بري مستاء من كل ما فعله وما يفعله حزب الله، ابتدءا من فتح الساحة الجنوبية وصولا إلى ما حصل أخيرا، وقبل ذلك أيضا في الملف السوري، حيث فضل الرئيس بري عدم الانغماس في الحرب.
وقال أبي نجم: التباينات قديمة، إلا أن الرئيس بري اليوم، إذا أردنا القول، ينظر إلى ما يمكن اعتباره "مأثرة" أو legacy، تتمثل في إعمار الجنوب الذي تولاه بكل جدية في كل حقبة كان حاضرا فيها، فيما تراجعت سلطة الدولة بفعل الدمار الذي تسبب به حزب الله. أضاف: الرئيس بري يحاول أن ينقذ ما يمكن إنقاذه، وأن يؤكد على الدور الشيعي ضمن الدولة وليس ضمن "الدويلة".
وعند سؤاله عما إذا كان حزب الله يملك القدرة أو الرغبة في الالتزام بهدوء داخلي طويل الأمد في حال نضوج التفاهمات الخارجية، أو ما إذا كان أي تقدم في المفاوضات قد يدفعه إلى رفع منسوب التوتر في الداخل اللبناني لتحسين شروط التفاوض أو لحماية مكاسبه السياسية، قال: لم يسبق أن كان القرار بيد حزب الله وحده. أضاف إن حزب الله، بحسب هذا الطرح، هو فصيل مرتبط بالحرس الثوري الإيراني، وبالتالي فإن مصيره يرتبط بمصير الحرس الثوري، وأن مسألة الالتزام بالهدوء أو عدمه تبقى مرتبطة بقراراته. كما أشار إلى أن الضغوط التي يتعرض لها الحرس الثوري تنعكس سلبا على حزب الله، وقد تدفع إلى استخدام هذه الذرائع بشكل أكبر.
وفي السياق نفسه، رأى أبي نجم أن حزب الله، بحكم تركيبته وتكوينه ووظيفته وعقيدته، لا يمكن أن يتحول إلى حزب سياسي لبناني بالمعنى التقليدي، وبالتالي فإن أي مسار نحو حرب في المنطقة أو في لبنان سيقود، وفق هذا التصور، إلى طرح ملف نزع سلاحه وتفكيك بنيته العسكرية والأمنية، وهو ما يعني انتهاء دوره ووظيفته الحالية، الأمر الذي سيحاول الحزب مقاومته حتى اللحظة الأخيرة.
واعتبر أنه من غير الصحيح القول إن حزب الله يمكن أن يقبل بمكاسب سياسية مقابل التخلي عن سلاحه، بل إنه، وفق هذا الطرح، مستعد للتضحية بكل شيء، بما في ذلك الدولة والناس والحجر والبشر، من أجل الحفاظ على هذا السلاح.
في الخلاصة، لم يعد ملف حزب الله مجرد نقاش سياسي داخلي، بل تحول إلى مرآة تعكس إعادة صياغة التوازنات اللبنانية تحت ضغط التحولات الإقليمية المتسارعة. وبين من يربطه بمسارات الخارج ومن يراه فاعلا محليا أمام استحقاقات إعادة التموضع، يبقى المشهد مفتوحا على مرحلة من إعادة التشكل العميق، من دون أن تتبلور معالمه النهائية بعد.