April 18, 2026   Beirut  °C
سياسة

غسان حاصباني يحذر عبر منصة "بالعربي": أي انزلاق جديد سيعيد لبنان إلى المواجهة.. والغطاء السياسي للجيش ضروري

لم تمض سوى ساعات على انتهاء المؤتمر الذي جمع معظم نواب العاصمة في فندق فينيسيا تحت شعار "بيروت منزوعة السلاح"، حتى انقلب المشهد رأسا على عقب، وعاشت المدينة واحدة من أكثر لياليها عبثا واستخفافا بدماء اللبنانيين. فبدل أن يسود منطق الدولة، دوت في سماء بيروت رشقات الرصاص الكثيف، وترافقت مع إطلاق قذائف صاروخية، في استعراض مسلح بدا وكأنه احتفال فج بما سمي "نصرا"، فيما هو في الواقع حصيلة آلاف الشهداء والجرحى ومساحات هائلة من الدمار.

ولم يقتصر المشهد على ذلك، بل شهدت شوارع العاصمة مسيرات استفزازية جابت أحياءها، رافعة شعارات مذهبية ومؤججة للانقسام، في وقت غابت فيه أي خطوات جدية من القوى العسكرية والأمنية لوقف إطلاق النار الذي استمر لساعات، أو لوضع حد لمن تولوا بث الفتن وترهيب السكان. وفي صورة لا تخلو من قسوة وسخرية سوداء، بدا وكأن هذه الممارسات جاءت ابتهاجا بالمآسي التي لحقت باللبنانيين، من احتلال تمدد في عمق الجنوب من البحر غربا إلى الحدود مع سوريا شرقا، إلى مئات آلاف النازحين الذين لا يزال قسم كبير منهم عاجزا عن العودة إلى قراه تحت وطأة التهديدات الإسرائيلية.


وبين هذا الواقع وخطاب الشعارات، يبرز بوضوح أن منطق السلاح الخارج عن الدولة لا يزال يفرض نفسه، غير آبه لا بالدولة ولا بكلفة الدم والخراب.


في هذا الإطار، أكد عضو تكتل الجمهورية القوية النائب غسان حاصباني أن الأحداث الأمنية التي شهدتها العاصمة بيروت ليلا، تشكل دليلا واضحا على ضرورة الإسراع في تنفيذ قرار جعل بيروت مدينة آمنة وخالية من السلاح، موضحا أن البيان الصادر عن النواب المجتمعين في بيروت جاء تأكيدا لدعم قرارات السلطة التنفيذية والحكومة. ودعا إلى تطبيق هذه القرارات بحزم وسرعة، لا سيما في ما يتعلق بضبط السلاح غير الشرعي داخل العاصمة.


وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن تحقيق الأمن لا يقتصر على نزع السلاح فحسب، بل يتطلب أيضا فرض الاستقرار الكامل، معتبرا أن ما حصل يثبت الحاجة إلى إجراءات استثنائية قد تصل، إذا اقتضى الأمر، إلى إعلان حالة التعبئة العامة، بما يمنح القوى العسكرية والأمنية والقضاء صلاحيات واسعة تمكنها من تنفيذ المهام المطلوبة.


وأشار حاصباني إلى أن استمرار إطلاق النار لساعات طويلة، وما تخلله من مشاهد استفزازية، يعكس حجم التحدي الذي تواجهه الدولة، لافتا إلى أن هذا الواقع يعزز ضرورة تحرك الأجهزة الأمنية بسرعة أكبر وبفعالية أعلى. واعتبر أن هذه الممارسات أرعبت سكان العاصمة، وأعادت إلى الواجهة هواجسهم المرتبطة بانتشار السلاح خارج إطار الشرعية.


وفي سياق متصل، رأى أن استخدام الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، يطرح تساؤلات جدية حول جدوى وجود هذا الكم من السلاح، مؤكدا أنه لو كان الهدف منه "مقاومة العدو" وتحرير الأرض، لكان من الأجدى استخدامه في مناطق المواجهة المباشرة. وقال إن ما حصل يُبرز بوضوح أن هذا السلاح يستخدم في غير الأهداف التي يفترض أن يكون مخصصا لها.


وشدد حاصباني على أن المطلوب اليوم هو تنفيذ قرار مجلس الوزراء بأسرع وقت، ومن دون أي عوائق، مع توفير الغطاء السياسي الكامل للجيش اللبناني والقوى الأمنية، مؤكدا على ضرورة توافر النية والإرادة والحزم لدى الدولة، إلى جانب القدرات الموجودة أصلا، لتحقيق هذا الهدف. ولفت إلى أن المؤتمر النيابي الأخير جاء لدعم هذا التوجه والمطالبة به بشكل صريح.


وفي ما يتعلق بغياب بعض النواب عن المؤتمر، أوضح أن الدعوة لم تكن موجهة إلى الأحزاب السياسية بقدر ما كانت مخصصة للنواب الذين يلتقون حول عنوان "بيروت آمنة وخالية من السلاح"، مشيرا إلى أن المشاركة كانت مفتوحة لكل من يتبنى هذا المطلب بشكل واضح، فيما أن من لا يتوافق مع هذا السقف لم يشارك.


وعن مستقبل الأوضاع في حال عدم التزام الدولة بالتعهدات خلال الأيام الـ 10 المقبلة، رأى حاصباني أن الأمور لا تزال مرتبطة بالتفاصيل، موضحا أن وقف إطلاق النار جاء نتيجة مبادرة سياسية من قبل رئيسي الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام وضغوط أميركية، وأن المرحلة الحالية تشكل بداية لمسار تفاوضي يهدف إلى الوصول إلى استقرار مستدام في لبنان. ولفت، في المقابل، إلى أن هذا المسار لا يزال يواجه تحديات كبيرة، منها قضايا الانسحاب الإسرائيلي، وتسليم السلاح، والضمانات المطلوبة، إضافة إلى مواقف "الثنائي".


وأكد أن العودة إلى التصعيد تبقى احتمالا قائما في حال فشل الجهود، محذرا من أن أي انزلاق جديد قد يعيد لبنان إلى دائرة المواجهات ويفرض شروطا أكثر تعقيدا. وفي المقابل، رأى أن تحقيق تقدم في تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار من شأنه أن يفتح الباب أمام مرحلة أكثر استقرارا.


ونبّه حاصباني من وجود محاولات مستمرة لإثارة الفتن وخلق توترات داخلية، داعيا إلى التحلي بالوعي السياسي وعدم الانجرار وراء الاستفزازات، مع التأكيد على ضرورة الحفاظ على السلم الأهلي واستقرار البلاد، ولكن من دون القبول بأي واقع يكرس الخروج عن سلطة الدولة.


في الخلاصة، شكل ما حصل خلال الليلة الأولى من سريان وقف إطلاق النار مؤشرا خطيرا وتحديا صارخا للدولة اللبنانية، إذ عكس واقعا أمنيا هشا واستمرار قدرة قوى أمر واقع على فرض نفوذها خارج إطار الشرعية. وفي ضوء ذلك، تبرز تساؤلات جدية حول مدى قدرة الدولة على بسط سلطتها وضبط الأمن ومنع الفتنة، أم أن زمام الأمور بات فعليا في يد هذه القوى على الأرض.