April 10, 2026   Beirut  °C
سياسة

بعد التلويح بسياسة "الأرض المحروقة".. رشا عيتاني: نحذّر من تكرار كارثي لسيناريو الثمانينيات

على إثر حركة النزوح الكثيف التي تشهدها العاصمة بيروت، وما يليها من نقل مؤسسات ومحال تجارية وغيرها، تعود إلى الواجهة هواجس التغيير الديموغرافي، في مشهد يتجاوز البعد الإنساني إلى تحولات أعمق تطال البنية السكانية والاقتصادية للمدينة.

ومع تزايد مؤشرات الاستقرار، لا سيما من خلال تملك العقارات بدل الاكتفاء بالاستئجار، تتعزز المخاوف من تكريس واقع جديد قد يصعب التراجع عنه.

فهل نحن أمام نزوح ظرفي تفرضه الحرب، أم بداية مسار طويل يعيد رسم وجه بيروت؟

في هذا الإطار، أكدت رئيسة تجمع منظمة Resilient Beirut المهندسة رشا عيتاني أن بيروت ليست غريبة عن التحولات الديموغرافية الحادة، مشيرة إلى أن المدينة شهدت بين عامي 1982 و1984 زلزالا ديموغرافيا لم تقتصر آثاره على الحجر، بل ضربت في صميم هويتها التعددية.


وقالت عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن العاصمة بدأت منذ تلك الحقبة تفقد تدريجيا "رئتيها" اللتين تنفست بهما لعقود، من خلال الانحسار الحاد للوجود الأرثوذكسي العريق، والتراجع المستمر في فاعلية وخصوصية الوجود السني، لافتة إلى أنّ هذه التحولات لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة تقاطع بين الاحتلال والنزاعات الداخلية. وأوضحت أن عسكرة المدينة، التي بدأت بانتفاضة 6 شباط وما تلاها من ضرب لحركة "المرابطون" من قبل حركة أمل برئاسة نبيه بري وحليفه الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، أدت إلى غياب القوة المنظمة التي تمثل المكون السني، وفتحت الباب أمام قوى صاعدة تحت شعارات التحرر والتهجير.


ولفتت عيتاني إلى أن التغيير الإداري المتعمد ساهم بدوره في هذا المسار، من خلال حسابات انتخابية ضيقة شاركت فيها بعض القيادات السنية، لا سيما رئيس الحكومة الراحل سليم الحص، عبر نقل ضخم لسجلات النفوس، ما أدى إلى خلل بنيوي طويل الأمد في تمثيل العاصمة ومزاجها السياسي، موضحة أنّ واقع النزوح آنذاك، ومصادرة المنازل والبيوت الخالية إبان معارك الجبل والضاحية، على الرغم من خلفياته الإنسانية المرتبطة بضحايا التهجير من قبل إسرائيل، تحول مع مرور الوقت إلى فرض "أمر واقع" جغرافي وسياسي.


وفي ما يتعلق بالمرحلة الراهنة، حذرت من "تكرار كارثي" لسيناريو الثمانينيات، في ظل التهديدات الإسرائيلية المتجددة لقرى جنوب الليطاني والتلويح بسياسة "الأرض المحروقة"، معتبرة أن التضامن مع النازحين واجب وطني وإنساني، لكن من دون أن يكون ذلك على حساب ما تبقى من "وجه بيروت" التاريخي.


وشددت عيتاني على أن الحفاظ على الخصوصية السنية والتعددية في العاصمة ليس طرحا طائفيا، بل ضرورة وطنية لمنع تحول بيروت إلى لون واحد، بما يعنيه ذلك من تهديد لفكرة "لبنان التعددي".


وعلى مستوى الحلول، رأت أن المرحلة تتطلب توازنا بين الإغاثة والاستقرار، من خلال توزيع جغرافي عادل لجهود الإيواء، عبر توجيه مراكز الإيواء الكبرى نحو مناطق في البقاعين الأوسط والشمالي القادرة جغرافيا ولوجستيا على استيعاب الكثافة السكانية، من دون الضغط على نسيج العاصمة المتهالك أصلا، معتبرة أنّ اللامركزية تشكل صمام أمان أساسي، كونها تتيح إدارة محلية أكثر فعالية للموارد والأزمات، وتحمي "قلب العاصمة" من الانفجار تحت وطأة الضغط الديموغرافي.


وتحدثت عيتاني عن ضرورة ربط المسار الإغاثي بمسار سياسي يستند إلى تطبيق القرار الدولي 1701 وغيره من القرارات، بما يضمن أن يبقى النزوح موقتا، وأن تكون العودة كريمة ومكفولة، تفاديا لأي استيطان مقنع قد يغير وجه لبنان الجيوسياسي، مشددة على أن حماية بيروت هي في جوهرها حماية لقرار لبنان السيادي وهويته التعددية.


وأكدت أن العاصمة هي رمز للعيش المشترك الذي يرفض الانصهار في قالب أحادي، مع الإصرار على استعادة دورها كمنارة للتنوع لا ساحة لتصفية الحسابات الديموغرافية.


في ضوء هذه المعطيات، يبرز أن بيروت تقف اليوم عند مفترق دقيق بين احتضان تداعيات النزوح من جهة، والحفاظ على توازنها الديموغرافي وهويتها التعددية من جهة أخرى، في ظل غياب سياسات واضحة تضبط هذا التحول. وبين واقع يُفرض تدريجيا ومخاوف من ترسيخه كأمر واقع، هل ستنجح الدولة في إدارة هذا المسار بما يحمي العاصمة، أم أن بيروت ماضية نحو تغيير طويل الأمد يصعب احتواؤه لاحقا؟