شهدت بيروت أمس تطورات لافتة من خلال الغارات الإسرائيلية التي استهدفت أحياءها، أعادت إلى الواجهة الحديث عن سيناريوهات سياسية وأمنية معقدة، في ظل تصاعد التوتر الداخلي وتزايد الحديث عن محاولات فرض وقائع جديدة على الساحة اللبنانية.
وقد ترافقت هذه الأجواء مع تداول معلومات تفيد بأن إسرائيل أحبطت مخططا مزعوما كان يهدف إلى تكرار أحداث 7 أيار 2008، بما يشمل إسقاط الحكومة اللبنانية.
هذا الطرح، على الرغم من الجدل الذي يحيط به، أعاد تسليط الضوء على طبيعة الصراع القائم في لبنان وعلى مسألة توازن القوى داخل الدولة.
كما تزامن ذلك مع تصعيد عسكري إسرائيلي استهدف إلى جانب بيروت، مناطق أخرى في لبنان، ما دفع إلى الربط بين التطورات الأمنية والفرضيات السياسية المتداولة، لا سيما تلك التي تتحدث عن نيات لدى حزب الله لتوسيع نفوذه إلى حد الإمساك بمفاصل القرار في البلاد، على الرغم من كونه ممثلا داخل الحكومة عبر وزراء له ولحلفائه، وهو ما يثير إشكالية واضحة بين المشاركة في السلطة والسعي إلى السيطرة عليها.
وقد سبق هذا التداول مواقف وتصريحات متقاربة صدرت عن شخصيات سياسية وإعلامية، من بينها سليمان فرنجية ووئام وهاب، إضافة إلى ما نسب إلى صادق النابلسي، الذي أفيد عن اغتياله، حيث تلاقت هذه المواقف عند الإشارة إلى احتمال إسقاط الحكومة، ما عزز مناخ الشكوك وفتح الباب أمام قراءات عدّة لما يحصل.
وفي هذا السياق، أوضح الصحافي محمد سلام أن هذه الرواية، التي تفيد بأن إسرائيل منعت انقلابا على الدولة اللبنانية، تفتقر إلى المصداقية ولا تستند إلى معطيات واقعية، مشيرا إلى أن تصوير المشهد بهذا الشكل لا ينسجم مع طبيعة التوازنات الداخلية، مع الإقرار في الوقت ذاته بأن حدثا ما قد وقع بالفعل، إلا أن تفسيره في إطار إحباط انقلاب داخلي لا يبدو منطقيا.
وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن سلوك حزب الله، بحسب تقديره، يقوم على السعي الدائم للحفاظ على نفوذه داخل مؤسسات الدولة، متحدثا عن وجود حالة لدى بعض الأطراف يمكن وصفها بالحنين إلى مراحل سابقة من النفوذ. إلا أن ذلك، برأيه، لا يعني بالضرورة القدرة على إعادة إنتاج سيناريو مماثل لما حصل في 7 أيار 2008، على الرغم من وجود رغبة كامنة لدى بعض الجهات في استعادة تلك المرحلة إذا ما توفرت الظروف المناسبة.
وفي ما يتعلق بالتصعيد العسكري الأخير، رأى سلام أن الهجوم الإسرائيلي العنيف الذي استهدف بيروت ومناطق لبنانية أخرى يرتبط بسياق أوسع من التوتر الإقليمي، لا سيما في ضوء ما وصفه بمعلومات غير دقيقة رُوّج لها من الجانب الإيراني بشأن اتفاق مزعوم يتضمن وقف الضربات على لبنان.
وأوضح أن ما قدم كان مجرد مشروع صيغة لم يحظ بقبول الولايات المتحدة الأمريكية، التي أكدت، وفق ما نقل، عدم التزامها بوقف العمليات في لبنان، مشيرا إلى أن هذا التصعيد يعكس رسالة واضحة مفادها بأن المواجهة في لبنان لا تزال مستمرة، في ظل تداخل العوامل المحلية والإقليمية. كما توقف عند ظاهرة "الحنين السياسي" لدى بعض القوى من مختلف الانتماءات، والتي قد تسعى إلى استعادة نفوذ سابق إذا ما سنحت لها الفرصة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة قدرتها على تحقيق هذا الهدف.
في ضوء ما تقدم، ومع استمرار الاستهدافات الإسرائيلية على بيروت، يتعزز القلق من انزلاق الأوضاع نحو مزيد من التصعيد، خصوصا في ظل الحديث عن نيات داخلية لإعادة رسم موازين القوى.
ويبرز في هذا السياق التساؤل حول مدى سعي حزب الله إلى تكريس سيطرة أوسع على الدولة، على الرغم من وجوده داخل الحكومة، وما إذا كان ذلك يعكس توجها نحو تغيير قواعد اللعبة السياسية من داخلها.
وبين الضغط الخارجي المتمثل بالهجمات الإسرائيلية، والهواجس الداخلية المرتبطة بإمكانات الانقلاب على التوازنات القائمة، يبقى لبنان أمام مرحلة دقيقة تتسم بالغموض والتعقيد، من دون مؤشرات واضحة على مسار حاسم في المدى القريب.