تتزايد التساؤلات في لبنان في الآونة الأخيرة حول تداعيات الخطاب التحريضي في الإعلام والسياسة، بعدما أثارت تصريحات الصحافي فادي أبو دية عاصفة من الجدل إثر دعوته خلال مقابلة صحافية إلى استهداف طلاب لبنانيين في مؤسسات تعليمية أميركية في لبنان، ما أعاد تسليط الضوء على خطورة هذا النوع من الخطاب في ظل الظروف الأمنية والسياسية الحساسة التي تمر بها البلاد.
في هذا الإطار، أكد الوزير السابق وعضو المكتب السياسي في حزب الكتائب البروفيسور آلان حكيم أن ما صدر عن الصحافي فادي أبو دية لا يمكن اعتباره مجرد رأي سياسي أو موقف إعلامي عابر، بل يندرج في إطار التحريض والتهديد المباشر والواضح باستهداف مدنيين، لافتا إلى أنه أمر مدان ومرفوض منطقيا وأخلاقيا، لا سيما عندما يطال طلابا في مؤسسة تعليمية.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن هذا النوع من الخطاب مرفوض كليا، إلا أنه للأسف تكرر أكثر من مرة في بيئة فريق الممانعة، معتبرا أن هذا الأسلوب يشكل خطرا فعليا على الأمن الداخلي وعلى المجتمع اللبناني، وهو مرفوض قانونيا وأخلاقيا وشرعيا ودينيا.
وقال حكيم إنّ تبرير استهداف طلاب بحجة أنهم يمثلون مصالح أميركية يشكل منطقا خطيرا وغير مقبول أو متزن، لأنه يفتح الباب أمام تحويل أي مدني إلى هدف مشروع، وهو أمر يرقى بحد ذاته إلى مستوى الجريمة، مشيرا إلى أن هذا الخطاب ليس مستغربا من قبل فريق الممانعة، وعلى رأسه حزب الله الذي وصفه بالحزب الخارج عن القانون.
واعتبر أنّ هذا هذا النهج بات معروفا، سواء في الجنوب أو داخل لبنان، لافتا إلى أن سلاح الحزب غير الشرعي موجود بين المدنيين، وهو أمر واضح في مناطق الجنوب، سواء على الطرقات أو في محيط القرى أو حتى داخل المنازل، ما يعرض المدنيين للخطر بشكل دائم.
وفي ما يتعلق بالشق القانوني، اعتبر حكيم أن الملف واضح من ناحية الاستجواب والقضاء، إذ إن التحريض العلني على العنف، خصوصا عندما يستهدف مدنيين وطلابا، يعد جرما يعاقب عليه القانون اللبناني. لكنه لفت إلى أن المشكلة في لبنان لا تكمن في النصوص القانونية بل في تطبيقها.
ورأى أن هناك احتمالا كبيرا بأن يُستجوب المعني ويُترك بسند إقامة، أو حتى في حال توقيفه قد يكون التوقيف شكليا وموقتا كما حصل في حالات سابقة، مشيرا إلى أن وزير العدل عادل نصار قام بواجبه من خلال الادعاء عليه، إلا أن التجارب السابقة تظهر أن عددا من هذه القضايا تنتهي من دون محاسبة جدية، ويُتعامل معها بخفة وكأنها مجرد زلة لسان، على الرغم من أنها جريمة مكتملة الأركان.
ولفت حكيم إلى أنه للأسف قد يُصار أيضا إلى الالتفاف على القضية أو ترحيلها إلى مراحل لاحقة، متسائلا إلى متى سيبقى القضاء متساهلا في مثل هذه الملفات، خصوصا وأن وزير العدل قام بواجباته لكن متابعة القضية تبقى مسؤولية القضاء.
وأشار إلى أن اللبنانيين يتذكرون عددا من الحالات المشابهة التي لم يتخذ فيها موقف حازم، معتبرا أن عدم التحرك الجدي يوجه رسالة خطيرة مفادها بأن التحريض على العنف مسموح وأن هناك أشخاصا فوق المحاسبة، ما يضرب ما تبقى من هيبة الدولة ويشجع آخرين على تكرار الخطاب نفسه.
وقال حكيم إنّ خطورة هذا الخطاب تزداد في ظل الظروف الإقليمية الحالية، حيث تشهد المنطقة تصعيدا وقصفا يستهدف أحيانا مواقع مدنية في عدد من البلدان العربية، بهدف الضغط المعنوي وفرض حالة من الفوضى، معتبرا أنه إذا كان هذا السلوك لا يستغرب من إيران، فلا يمكن أيضا استغرابه من المنظومة الخارجة عن القانون التي يمثلها حزب الله، بحسب تعبيره.
وأكد أن القضاء اليوم أمام اختبار واضح: إما تكريس مبدأ المحاسبة أو تكريس منطق الإفلات من العقاب.
وعن إمكان أن يكون هذا التحريض تصرفا فرديا، قال حكيم إنّ من الصعب أن يصدر هذا المستوى من الجرأة في التحريض بشكل فردي بالكامل، مشيرا إلى أن اللبنانيين اعتادوا في السابق على ممارسات مماثلة من قبل المنظومة الخارجة عن القانون، وصلت أحيانا إلى حد الاغتيال الجسدي أو المعنوي.
واعتبر أن الخطاب المستخدم يتقاطع مع منطق المحور الإيراني الممانع، الذي يبرر استهداف كل ما هو مرتبط بالولايات المتحدة، وهو منطق خارج عن القانون وعن الشرعية، مشيرا، في الوقت نفسه، إلى أنه لا يمكن الجزم بوجود توجيه مباشر، إلا أن الواضح هو وجود بيئة سياسية وإعلامية تشجع على هذا النوع من الخطاب أو على الأقل لا تعمل على وقفه.
أما في ما يتعلق بدور الدولة والأجهزة الأمنية، فرأى أن هذا هو السؤال الأساسي، مؤكدا أن الدولة ليست فقط مطالبة بالتحرك بل هي مسؤولة مباشرة عن حماية المواطنين والمقيمين على أراضيها. وقال إنه في ظل وجود النازحين يجب رفع مستوى الانتباه، لأن الخطر قد يطال الجميع، خصوصا أماكن النزوح.
وشدد حكيم على أن التحريض العلني على استهداف طلاب لا يمكن اعتباره رأيا، بل هو تهديد مباشر للأمن القومي، ما يفرض على الأجهزة الأمنية التحرك سريعا وتوقيف المعني وإحالة الملف إلى القضاء، مكررا أنّ وزير العدل قام بواجبه، لكن المسار القضائي يجب أن يكتمل، لأن عدم حصول ذلك يعني عمليا أن أي شخص يمكنه التحريض والتهديد من دون أي رادع، وهو أمر بالغ الخطورة في بلد مثل لبنان، خصوصا في ظل الظروف الحالية التي قد تفتح الباب أمام الفتنة والفوضى.
وأكد أنّ القضية اليوم لا تتعلق بشخص بقدر ما تتعلق بنموذج في التعاطي السياسي والإعلامي، وبمفهوم المسؤولية الاجتماعية. فإما أن تكون هناك دولة قانون تحاسب، وإما أن يتحول البلد إلى ساحة مفتوحة لكل خطاب تحريضي، معتبرا أن أي تهاون في هذا الملف يشكل شراكة غير مباشرة في أي عنف قد ينتج عنه. ودعا الدولة إلى أن تتحمل مسؤولياتها بالكامل وأن تثبت حضورها.