لم يكن بيان النفي الذي أصدره حزب الله بشأن الخلية التي أعلنت وزارة الداخلية الكويتية تفكيكها حدثًا عابرًا، بل تحوّل إلى اختبار جديد لصدقيته في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. غير أن المشكلة لم تعد في ما يقوله الحزب، بل في ما ترسّخ من وقائع جعلت كل نفي يصدر عنه موضع تشكيك تلقائي.
فالحزب الذي يطالب بأن يُصدق، هو نفسه الذي راكم، على مدى سنوات، مسارًا من التداخل العميق بين قراره وبين منظومة إقليمية يقودها الحرس الثوري. ومن هنا، لم يعد السؤال: هل نصدق بيان النفي؟ بل: هل لا يزال الحزب يمتلك أصلاً قرارًا مستقلاً يمكن تصديقه؟
مصادر متابعة اختصرت هذا التناقض بوضوح: "نريد أن نصدق… لكن الوقائع أقوى من البيان". وهذه ليست مسألة سياسية عابرة، بل أزمة ثقة بنيوية. إذ لم يعد حزب الله يُقاس كتنظيم لبناني تقليدي، بل كجزء عضوي من الحرس الثوري الإيراني يعمل وفق أولويات لا تُصاغ في بيروت، بل في طهران.
وهنا تحديدًا تكمن خطورة ما جرى. فالقضية ليست خلية في الكويت بقدر ما هي انعكاس لنمط يقوم على إنكار رسمي يقابله واقع ميداني مختلف. نمط يُنتج خطابًا لبنانيًا للاستهلاك الداخلي، مقابل أداء إقليمي فعلي على الأرض.
الأخطر أن هذا التناقض لم يعد محصورًا بالخارج. فهو ينسحب مباشرة على الداخل اللبناني، وتحديدًا على أخطر قرار يمكن أن تواجهه أي دولة: قرار الحرب والسلم. فمن الذي قرر إدخال لبنان في مواجهات مدمّرة؟ ومن الذي يتحمّل مسؤولية إطلاق الصواريخ التي فتحت أبواب الخراب على البلد؟
إذا كان الحزب ينفي علاقته بخلايا خارجية، فهل يستطيع أن ينفي مسؤوليته عن قرارات أدخلت لبنان في حروب لم يقررها اللبنانيون، ولم تمر عبر مؤسساتهم الدستورية؟ هنا تحديدًا تسقط قوة البيان، لأن المشكلة ليست في حادثة، بل في مسار كامل.
إن الإشكالية الحقيقية لم تعد في التفاصيل الأمنية، بل في هوية الحزب نفسها. هل هو حزب لبناني يخضع لمنطق الدولة، أم ذراع أمنية – عسكرية تعمل ضمن استراتيجية الحرس الثوري الإيراني؟ وهل ما يزال يملك القدرة، أو حتى الرغبة، في الفصل بين المصلحتين اللبنانية والإقليمية؟
التجربة حتى الآن لا توحي بذلك. فلبنان، منذ سنوات، يُستَخدم ساحةً لتبادل الرسائل، لا دولة تُدار وفق مصالح شعبها. والحزب، بدل أن يكون جزءًا من الحل، رسخ مع الوقت موقعه كعنصر أساسي في هذه المعادلة، حيث تُتخذ القرارات الكبرى خارج منطق الدولة، وتُفرض نتائجها على اللبنانيين.
ولذلك، فإن ما كشفته الكويت، بصرف النظر عن نتائجه، ليس سوى حلقة إضافية في سلسلة طويلة من الوقائع التي تطرح السؤال نفسه: من يحكم القرار الأمني والعسكري المرتبط بحزب الله؟ وهل هذا القرار لبناني فعلاً، أم أنه جزء من منظومة الحرس الثوري الإيراني؟
في النهاية، لم يعد كافيًا أن ينفي الحزب، ولا أن يطالب بتصديقه. فالثقة لا تُمنح بالبيانات، بل تُبنى على تطابق القول مع الفعل. وحتى الآن، يبدو أن هذا التطابق غائب، وأن الفجوة بين خطاب الحزب وممارسته تتّسع، على نحو يجعل كل بيان نفي… مجرد تفصيل في أزمة أكبر بكثير.