شهدت بعض أحياء العاصمة بيروت في الأيام الأخيرة حالة من القلق والتساؤل بين السكان، بعدما طلب حزب الله من أصحاب المحال التجارية والمؤسسات والمدارس والأبنية السكنية في مناطق عدة، بينها النويري والبسطة وخندق الغميق، إطفاء كاميرات المراقبة وفصلها عن شبكة الإنترنت، وصولًا إلى قطع الكهرباء عنها كليًا.
وقد أثار هذا الإجراء ريبة لدى كثير من البيارتة، الذين يخشون أن يؤدي تعطيل الكاميرات إلى جعل هذه المناطق أكثر عرضة للاستهداف الإسرائيلي، وكذلك إلى كشفها أمنيًا أمام عصابات السرقة.
كما دفع هذا التصرف عددًا من أبناء العاصمة إلى التساؤل عن خلفيات هذه الخطوة وأهدافها، لا سيما في ظل الواقع السكاني الضاغط الذي تشهده بيروت بعد نزوح مئات الآلاف إليها من مناطق الجنوب والضاحية بفعل الحرب. ويترافق هذا الواقع مع حالات توتر واستفزاز متفرقة، ما يزيد من المخاوف من تداعيات قد لا تُحمد عقباها إذا لم يُعمَل على احتواء الوضع ومعالجته بحكمة.
في هذا الإطار، اعتبر الصحافي محمد سلام، في تعليق له على ما حصل في بعض مناطق بيروت، أنّ المسألة لا يمكن توصيفها على أنّها مجرد طلب عادي، بل هي في الواقع أقرب إلى أمر مباشر بضرورة فكّ الكاميرات وإزالتها، ما يعطي هذه الخطوة دلالات تتجاوز إطارها التقني أو الأمني المحدود.
وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن ما حصل لا يمكن فصله عن نمط تصرف الحزب في العاصمة، إذ يبدو وكأنه يتعامل مع بيروت بالطريقة نفسها التي يتعامل بها مع الضاحية الجنوبية، وهو أمر يثير قلقًا واسعًا لدى كثيرين من أبناء المدينة، مشيرًا إلى أن هذا الأسلوب من شأنه أن يخلق توترا في بيروت خصوصًا إذا استمر أو توسّع، ما يستدعي الانتباه إلى خطورته والتعامل معه بحذر شديد.
وشدّد سلام، في الوقت نفسه، على ضرورة التأكيد بشكل واضح وصريح أن ما يحدث لا يجب تفسيره على أنه صراع مذهبي بين السنة والشيعة. وقال إن العلاقة بين أبناء الطائفتين في بيروت وسائر لبنان قائمة منذ عقود على المصاهرات والصداقات والعلاقات العائلية والاجتماعية المتينة، وبالتالي لا يمكن اختزال ما يحصل في إطار طائفي أو مذهبي، لأن هذا التوصيف لا يعكس حقيقة الواقع الاجتماعي بين اللبنانيين.
ورأى أن المشكلة الحقيقية ليست بين أبناء الطائفتين، بل بين أبناء بيروت عمومًا وبين حزب الله، الذي يتبنى نهج ولاية الفقيه ويتصرف في بعض الأحيان بطريقة توحي وكأن العاصمة تخضع لسلطة أمنية موازية، لافتًا إلى أنّ استمرار هذا النهج قد يخلق إشكالات كبيرة في المستقبل إذا لم تُتدارك ضمن إطار قانوني واضح يحفظ هيبة الدولة ويمنع أي تجاوزات.
وأكد سلام أن حادثة إزالة الكاميرات ليست الأولى من نوعها في بيروت، بل سبق أن حصلت حوادث مشابهة في العام 2024 بعد استهداف مقر الهيئة الصحية الإسلامية في منطقة الباشورة. وقال إنه في تلك الفترة حُطّم أيضًا أو أُزيل عدد من الكاميرات في محيط بعض الأبنية الممتدة من منطقة كركول الدروز إلى الملا، كما أُخذت أجهزة التسجيل المرتبطة بها، إضافة إلى توقيف عدد من حراس الأبنية، ومعظمهم من العمال السوريين.
وأشار إلى أن هؤلاء الحراس أُفرج عنهم لاحقًا بعد "التحقيق" معهم، إلا أن الكاميرات التي أُزيلت لم تُعد إلى أصحابها، ما اضطر السكان إلى شراء كاميرات جديدة وتركيبها مجددًا. واليوم، بحسب سلام، تتكرر الوقائع نفسها في مناطق أخرى من العاصمة، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة لدى الأهالي.
وتوقف أيضًا عند حادثة أمنية أخرى جرى تداولها مؤخرًا في منطقة الطريق الجديدة في بيروت، تتعلق بسيارة رباعية الدفع سوداء اللون، قيل إنها شهدت إطلاق نار قبل أن تتمكن من الفرار على الرغم من محاولة القوى الأمنية توقيفها. وقال إن ملابسات هذه الحادثة لا تزال غير واضحة، إذ إن الروايات المتداولة حول كيفية توقيف السيارة أو فرارها تبدو متناقضة وغير مفهومة، ما يزيد من حالة القلق لدى المواطنين.
وانتقد سلام، في هذا السياق، ما وصفه بالصمت الرسمي حيال الأحداث التي وقعت مؤخرًا في المنطقة الممتدة بين النويري والبسطة، مشيرًا إلى أن الدولة لم تصدر حتى الآن أي نفي أو تأكيد رسمي لما حصل، الأمر الذي يترك المجال واسعا أمام الشائعات والتأويلات. واعتبر أن هذا التجاهل لا يريح الناس، بل يزيد من مخاوفهم، مؤكدًا أن المطلوب هو موقف رسمي واضح من السلطات المعنية يشرح حقيقة ما يحدث ويضع حدا للالتباس.
وكشف أن هناك مشاورات تجري حاليًا بين عدد من المثقفين والإعلاميين والحقوقيين في بيروت بهدف ترتيب لقاء مع نواب العاصمة العشرين في الدائرتين الانتخابيتين الأولى والثانية. وتهدف هذه المبادرة إلى طرح فكرة إعلان بيروت منطقة عسكرية في حال إعلان حالة الطوارئ، على أن تكون منطقة منزوعة السلاح.
وأوضح سلام أن هذا الطرح يستند إلى نصوص قانونية تسمح بإعلان حالة الطوارئ أو اعتبار منطقة معينة منطقة عسكرية بمرسوم رسمي، سواء على مستوى لبنان كله أو في منطقة محددة منه، لافتًا إلى أن هذا الخيار يُبحث بجدية باعتباره وسيلة قانونية لضبط الأمن ومنع أي جهة غير شرعية من ممارسة نشاطها خارج إطار الدولة. وقال إن الفكرة الأساسية من هذه التحركات هي الحفاظ على الاستقرار ومنع انفلات الأمور بين الناس، مؤكدًا أن الهدف ليس استهداف أي طرف سياسي أو طائفي، بل حماية المدينة ومنعها من الانزلاق إلى توترات خطيرة.
وشدد على أن بيروت وصلت إلى مرحلة لم تعد تحتمل المزيد من التجاوزات أو الضغوط، وأن المطلوب اليوم هو حماية العاصمة والحفاظ على استقرارها قبل أن تتفاقم الأوضاع إلى ما لا تُحمد عقباه.