مرّةً أخرى يجد لبنان نفسه وسط دوّامة صراعٍ إقليمي ضاغطٍ يفرض تأثيراته على الساحة الداخلية، في وقتٍ تتصاعد فيه المواجهات وتتزايد المخاوف من انزلاق البلاد إلى مرحلة أكثر خطورة. فمع استمرار التصعيد العسكري، يتجدّد الجدل حول موقع لبنان في هذه المعركة وحدود قدرته على تحمّل تداعياتها، خصوصًا في ظل الانقسام الداخلي حول دور السلاح خارج إطار الدولة ومسؤولية المؤسسات الرسمية في ضبطه.
وفي موازاة ذلك، تتصاعد الانتقادات لما يحصل على الأرض، لا سيما مع تمركز عناصر وقيادات من حزب الله بين المدنيين في مناطق لبنانية عدّة، ما يعرّض السكان لمخاطر المواجهة ويدفع من اختاروا الابتعاد عن الحرب إلى تحمّل تبعاتها.
فهل بات لبنان ساحةً مفتوحة لصراعات إقليمية تتجاوز حدوده، في ظل استمرار السلاح خارج إطار الدولة وتزايد المخاوف على المدنيين، أم أن التطورات المتسارعة ستفرض في نهاية المطاف واقعًا جديدًا يعيد طرح مسألة دور الدولة ومؤسساتها في إدارة هذه المواجهة؟
في هذا السياق، أكّدت رئيسة طاولة حوار المجتمع المدني الأميرة حياة إرسلان أن الحروب عادةً ما تتميز بأهداف واضحة وبما وصفته بـ"شرف القتال"، معتبرةً أن ما يحصل اليوم يفتقد إلى هذه المعايير، في ظل ما اعتبرته استخدامًا للمدنيين دروعًا بشرية عبر تمركز عناصر حزب الله داخل المناطق السكنية، بدل حصر المواجهة في الجنوب حيث يرفع الحزب شعار المقاومة.
وأشارت عبر منصة "بالعربي" إلى أن هذا الواقع يعرّض السكان المدنيين للخطر في مناطق يسعى أهلها إلى العيش بعيدًا عن المواجهة، معتبرةً أن اللبنانيين لم يختاروا هذه الحرب ولا الشروط التي تُفرض عليهم في سياقها.
ورأت إرسلان أن ما يحصل لم يؤدِّ إلى تحرير الجنوب كما يُقال، بل أعاد، بحسب تعبيرها، مشاهد الاحتلال الإسرائيلي والإهانة إلى المنطقة، معتبرةً أن الأمر يحصل على مرأى من العالم.
وفي قراءتها لمسار المعركة، اعتبرت أن التصعيد مرشّح للاستمرار، مشيرةً إلى أن ما يحصل يتجاوز الساحة اللبنانية ليكون جزءًا من صراع أوسع بين إيران والولايات المتحدة، يتداخل فيه الملف النووي الإيراني مع الصراع الاقتصادي والسياسي العالمي.
وقالت إرسلان إن هذا الصراع يرتبط أيضًا بالتنافس الدولي بين الولايات المتحدة وكل من الصين وروسيا وربما تركيا، في ظل محاولاتٍ لتشكيل محاور دولية جديدة، معتبرةً أن هذه المواجهات قد تستمر إلى أن تصل القوى الكبرى إلى تسوية تعيد توزيع الأدوار والنفوذ بينها.
وعلى الصعيد الداخلي، انتقدت أداء السلطة اللبنانية، مؤكدةً أن ما يحصل يعكس تقاعسًا من الحكومة وتواطؤًا من السلطة السياسية، مشيرةً إلى أنه لو التُزم بما ورد في خطاب القسم لرئيس الجمهورية جوزاف عون وتنفيذ ما نص عليه البيان الوزاري للحكومة، لما وصل لبنان إلى هذا الواقع.
كما علّقت إرسلان على بيان قيادة الجيش اللبناني الذي أشار إلى أن المؤسسة العسكرية تعرف متى تسحب السلاح، مؤكدةً أن المطلوب هو تنفيذ القرار السياسي بحصرية السلاح بيد الدولة.
وأكدت، في المقابل، أن موقفها لم يكن يومًا ضد الجيش اللبناني أو هيبته، بل ترى فيه العمود الأساسي المتماسك في الدولة، معربةً عن ثقتها بعناصر الجيش ودورهم في حماية الوطن.
وقالت إرسلان إن لبنان بحاجة إلى إعادة تنظيم شؤونه الداخلية واستعادة سلطة الدولة، متسائلةً عمّن سيتولى هذه المهمة في ظل ما وصفته بفقدان الثقة بالأداء السياسي الحالي.