برز قبيل بدء الغارات على الضاحية الجنوبية لبيروت، مُبَاشَرَةً بعد الانذار الواسع الذي أصدره الجيش الاسرائيلي لسكان مناطق واسعة فيها، حديث عن مبادرة فرنسية قيل إنها تهدف إلى تجنيب الضاحية دمارًا شَامِلًا. وجاء ذلك في وقت كان فيه وزير المال الاسرائيلي بتسلئيل سموتريش قد حذر من أن المنطقة قد تلقى مصيرًا مُشابِهًا لما شهدته خان يونس في قطاع غزة.
غير أنه مع تقدم الساعات، بدأت وتيرة الاستهدافات الإسرائيلية لمناطق الضاحية تتصاعد تدريجيًا، وصولًا إلى شَنِ الطيران الإِسرائيلي غارات عنيفة استهدفت مجمعات بأكملها، ما أثار تساؤلات حول مصير المبادرة الفرنسية وما إذا كانت قد سقطت في مهدها قبل أن تتبلور فعليًا.
وفي موازاة ذلك، برزت معلومات عن مساع فرنسية للضغط على حزب الله للقبول بطرح يقوم على الاستسلام مقابل وقف الحرب على لبنان، وهو ما قيل إنه قوبل برفض مطلق من الحزب الذي شَدَدَ على أنه الجهة الوحيدة المخولة اتخاذ قراراته التفاوضية. كما أعاد هذا الجدل طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين حزب الله ورئيس مجلس النواب نبيه بري وما إذا كانت التطورات الأخيرة تعكس وصول الخلافات بين الجانبين إلى مرحلة القطيعة السياسية.
من جهته، قال المحلل السياسي وجدي العريضي إِنَ الحديث عن مبادرة فرنسية لوقف التصعيد في لبنان لا يستند إلى وقائع فعلية، مُشيرً إلى أن ما يَحصَل مَيدانِيًا، لا سيما استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت بوتيرة متصاعدة، يتناقض مع الأجواء التي قيل إنها نوقشت مع باريس في الأيام الماضية.
وأَوضَحَ عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن فرنسا حاولت التدخل لمنع أي تدمير أو تصعيد كبير في الضاحية، إِلَا أن التطورات الأخيرة على الأرض تُظهِرُ مَسَارًا مُغَايِرًا تَمَامًا، ما يطرح تساؤلات حول حقيقة الدور الفرنسي. وقَالَ إِنَ مَا يُتَدَاوَل عَن مُبَادَرَةٍ فرنسية سقطت أو فشلت ليس دَقِيقًا، لِأَن المُبَادَرَة أَسَاسًا لم تكن قائمة بصيغةٍ واضحة أو رسمية.
وأَكَدَ العريضي، في هذا الإطار، أنه لا يوجد شيء اسمه مبادرة فرنسية متكاملة، بل إن الأمر اقتصر على اتصالات سياسية، حيث تواصل رئيس الجمهورية جوزاف عون مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، كما قَامَ ماكرون بدوره باتصالٍ برئيس مجلس النواب نبيه بري، إِلَا أَنَ هذه الاتصالات لم تفض إلى نتائج عملية.
وَشَدَدَ على أن الواقع السياسي والعسكري في المنطقة يوضح أن التأثير الحاسم يَبقَى بِيَدِ الولايات المتحدة، مُؤكِدًا أَنَ الأميركيين لا يصغون فِعلِيًا إلى مواقف الفرنسيين أو غيرهم في هذا الملف.
ولَفَت العريضي إلى أَنَ العلاقة بين واشنطن وباريس في هذا السياق ليست منسجمة، مُستَشهِدًا بِمَا حَصَل في مؤتمر دعم الجيش اللبناني، حيث لم يشارك الأميركيون فيه بالزخم الذي كانت تأمله فرنسا.
وفي ما يتعلق بما تردد عن طرح فرنسي يتضمن مقترحات تتصل بإنهاء الحرب مقابل شروط تتعلق بسلاح حزب الله، قَالَ إِنَ مثل هذه الطروحات قوبلت برفض واضح، مُوضِحًا أَنَ الحزب يرفض أي صيغة تُطرَح بِهَذَا الشكل ويؤكد أنه الطرف المعني الوحيد باتخاذ قراره في ما يتعلق بالمواجهة.
كما أشار العريضي إلى أن الاتصالات التي حَصَلَت مع رئيس مجلس النواب نبيه بري لم تؤدِ إلى قبول مثل هذه المقترحات، ما يعني أن الفكرة لم تتقدم ولم تتحول إلى مسارٍ سياسي فعلي.
وتطرق إلى مسألة العلاقة بين حزب الله ورئيس مجلس النواب، مُعتَبِرًا أَنَ الحديث عن دور "الأخ الأكبر" الذي كان يؤديه بري في السابق لم يَعُد قَائِمًا. وقال إن هذا الواقع ليس وليد اللحظة، بل بدأ منذ اندلاع الحرب الحالية، بل حتى قبلها بقليل، حين صدرت مواقف وبيانات من حزب الله تضمنت انتقادات غير مباشرة طالت حركة أمل ورئيسها نبيه بري، إضافة إلى شخصيات رسمية أخرى.
ورأى العريضي أَنَ ما حدث يعكس تَحَولًا وَاضِحًا في طبيعة العلاقة السياسية بين الطرفين، مُؤَكِدًا أن الفجوة أصبحت كبيرة على المستوى السياسي، حتى لو لم تصل الأمور إلى حد الصدام المباشر. وقَالَ إِنَ بعض القيادات لا تزال تعمل على ضبط الشارع ومنع أي احتكاك بين القواعد الشعبية للطرفين، وهو ما يفسر عدم انتقال الخلاف السياسي إلى مواجهة ميدانية.
وفي خِتامِ حَديثِه، أَشَارَ إلى أَنَ صورة العلاقة بين الجانبين تبدلت بشكل كبير، مع وجود تباين واضح في المقاربات السياسية، في وقت تحاول بعض القوى الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الداخلي ومنع تفاقم التوتر.