March 05, 2026   Beirut  °C
سياسة

إيلي محفوض: إيران انتَقلت من أسلوب التحريك عن بُعد إلى أسلوب الإِدارة من داخل لبنان

يحمل قرار إيران إِعَادَة تعيين محمد رضا شيباني سَفِيرًا لها في لبنان دلالات سياسية واضحة تتجاوز الإِطار البروتوكولي، لا سيما وأَنَّهُ سبق أَن شغل المنصب نفسه في خلال حرب تموز 2006 بين إسرائيل وحزب الله. فاستحضار شخصية واكبت مرحلة عسكرية حساسة يوحي بِأَنَّ طهران تتعامل مع الظرف الراهن باعتباره مرحلة دقيقة تستدعي خبرة سياسية وأَمنية متقدمة في إِدَارَةِ العلاقة مع الساحة اللبنانية.

في المقابل، يَطرَحُ استبدال السفير مجتبى أماني، الذي تولى مهامه مُنذُ العام 2020 وارتبط اسمه بمتابعة ملف حزب الله، تساؤلات حول توقيت الخطوة وخلفياتها، خصوصًا بعد إِصَابَتِهِ في عملية البيجر الإِسرَائِيلِيَّة. وبذلك يبدو التغيير مُؤشِّرًا إِلى إِعَادَةِ تموضع إِيراني في بيروت بما ينسجم مع حسابات المرحلة وتطوراتها.

في هذا الإطار، اعتبر رَئيسُ حزب حركة التغيير المحامي إيلي محفوض أَنَّ التغيير الذي طرأ على مستوى السفير الإِيراني في لبنان يثير القلق والاستغراب في ظل الظروف الدقيقة التي تمر بها البلاد والمنطقة، لافِتًا إِلى أَنَّ ما يزعج اللبنانيين هو أَنَّ إِيران تقوم بتبديل سفرائها في بيروت فيما الدولة اللبنانية تقف موقف المتفرج من دون اتخاذ أي إجراء عملي يحفظ سيادتها وهيبتها.


وأَوضَحَ عَبرَ مِنصّة "بالعربي" أَنَّ مَسأَلَة تغيير السفير أَو تبديل السفراء تبقى من حيث المبدأ شأنًا يعود إلى الدولة الممثلة في لبنان، إلا أَنَّ ذلك لا يعفي الدولة اللبنانية من القيام بواجباتها عندما يتعلق الأَمِر بسلوكيات وصفها بالشاذة والاستثنائية في التعاطي مع لبنان كجمهورية ذات سيادة مستقلة، مُشيرًا إلى أَنَّ هذه السلوكيات كان يُفتَرَض أَن تُقَابَل بخطوات واضحة وصريحة من جانب السلطات اللبنانية.


وفي هذا السياق، عدد محفوض ثَلاث نِقَاط أَسَاسِيَّة كان ينبغي على الدولة اللبنانية القيام بها. النقطة الأُولَى، بحسب قوله، أَن يُستَدعى السفير الإِيراني ومساءلته بشكل رسمي وصولًا إلى إِمكَانِ طرده، نَظَرًا لعدم مراعاته الأُصول المنصوص عليها في بروتوكولات فيينا المتعلقة بالتمثيل الديبلوماسي، مُعتَبِرًا أَنَّ الاكتفاء بمجرد الاستفسار أَو السؤال لا يَرقَى إِلى مُستَوَى الحدث ولا يعكس جدية في حماية السيادة الوطنية.


أَمَّا النقطة الثانية فتكمن، وفق رئيس حزب حركة التّغيير، في ضرورة قطع العلاقات الديبلوماسية مع إِيران بعدما ثبت بالملموس تدخلها في الشؤون اللبنانية، مُشيرًا إلى تصريحات سابقة لمسؤولين إِيرانيين تحدثوا فيها عن نفوذهم في عدد من العواصم العربية ومنها بيروت. واعتَبَر أَنَّ مثل هذه المواقف تشكل دَلِيلًا كَافِيًا يدفع الدولة اللبنانية إلى اتخاذ قرار حاسم دِفَاعًا عن استقلالها.


وتتعلق النقطة الثالثة، بحسب محفوض، بالتمادي الإِيرانِيّ في تشغيل منظمة مسلحة داخل لبنان، لافِتًا إلى أَنَّ توصيف رئيس الجمهورية لهذه الجهة بعناصر مسلحة داخل التركيبة الشرعية للدولة يشكل سابقة خطيرة ودلالة على حجم الاختلال القائم. ورأى أَنَّ التغييرات الديبلوماسية الأَخِيرَة لا يمكن فصلها عن هذا السِّيَاق، خُصوصًا في ظل عدم مقاربة الدولة اللبنانية لملف العلاقة الشائكة مَعَ إِيران انطِلَاقًا من المصلحة اللبنانية العُليا.


وفي قراءة تحليلية لِأَبعاد استبدال السفير الحالي بشخصية سَبَقَ أَن خدمت في لبنان في خلال حرب تموز 2006، قال إِنَّ حجم توغل حزب الله في المشروع الايراني وحجم التنسيق القائم بين الطرفين يفتح الباب أَمامَ أَكثَر من استنتاج.


واعتَبَر محفوض أَنَّ تركيبة الحزب الهرمية قد تكون بصدد متغيرات داخلية على مستوى التعيينات والمناقلات وأَنَّ هذا التبديل يعكس تَمَاهِيًا أَكبَر في التنسيق بين الجانبين.


ورَأَى أَنَّ اختيار سفير على دراية دقيقة بالداخل اللبناني قد يُشِيرُ إلى انتقال إِيران من أُسلوب التحريك عن بُعد إلى أُسلوب إِدارة أَكثر مُبَاشَرَة من داخل الساحة اللبنانية، مُتَحَدِّثًا عن وجود أَجنحة عِدَّة دَاخِلَ تركيبة حزب الله تتجاذبها متغيرات داخلية وإِقلِيمِيَّة.


وعن مستقبل الوضع في لبنان والمنطقة، أَشَارَ محفوض إلى أَنَّ المشهد يرتبط أَيضًا بالمقاربة التي تعتمدها إِدارة الرئيس الأَميركِيّ دونالد ترامب، والتي تقوم على محاولة تحقيق مكاسب سياسية من دون الانخراط في حرب تقليدية واسعة أَو دفع كلفة بشرية ومادية كبيرة، مُعتَبِرًا أَنَّ المنطقة تَقِفُ أَمَامَ أَكثر من سيناريو، فإما أَن تنجح المساعي التفاوضية في تحقيق تقدم ملموس وإِمَّا أَن يتحول الحشد العسكري إلى أَداةِ ضَغطٍ في إِطَارِ حَربِ أَعصَاب مُكَثَّفَة.


وقالَ إِنَّهُ لا يرى في الوقت الراهن مؤشرات على حرب شاملة بالمعنى الكلاسيكي، لكنه حَذَّرِ مِن أَنَّ تصاعد الضغوط قد يدفع إِيران إلى تقديم تنازلات في ملفات عدة. واعتَبَر أَنَّ الثابت الوحيد لديها هو الحفاظ على رأس النظام ومنع سقوطه مهما بلغت التحديات.