March 05, 2026   Beirut  °C
سياسة

فتور بين الشقيقتين.. متى تزول الغيمة السوداء؟

في ظلّ الترابط الجغرافي والاقتصادي بين لبنان وسوريا، تبقى العلاقة بين البلدين محكومة بملفاتٍ عملية تفرضها طبيعة الحدود وتشابك المصالح، من تنظيم المعابر، ترسيم الحدود، التنسيق الأمني، وصولًا إلى ملفاتٍ إنسانية وقضائية مثل تبادل السجناء أو معالجة أوضاع الموقوفين بين البلدين. ومع أي خطوةٍ تُسجَّل في أحد هذه الملفات، يعود النقاش حول كيفية إدارة العلاقة بما يحفظ الاستقرار ويعزّز المصالح المشتركة بعيدًا عن التوترات.

فإلى أي مدى يمكن للبلدين معالجة ملفات المعابر، ترسيم الحدود والسجناء بما يحفظ مصالحهما المشتركة ويمنع أي توترٍ جديد؟

في قراءةِ هذا الواقع، رأى السياسي اللبناني خلدون الشريف أنّ العلاقة بين بيروت ودمشق اليوم "واقعية أكثر مما هي دافئة".


وأَكَّدَ عَبرَ مِنصّة "بالعربي" أَنَّ التعاون بين البلدين يقتصر على تنسيق أمنيّ متقطّع عند الضرورة، من ضبط المعابر ومكافحة التهريب إلى تنسيقٍ بالحدّ الأدنى، في مقابل غياب تسوية سياسية شاملة تُنهي الملفات المتراكمة منذ عقود، مُوضِحًا أَنَّ تشدّدًا ملحوظًا يسود ملف المعابر وإقفال الممرّات غير النظامية، إلا أنّ الحدود تبقى قابلة للاشتعال عند أي احتكاك، خصوصًا مع الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة في البقاع التي تلامس أحيانًا بيئة الحدود اللبنانية - السورية وتزيد حساسية المشهد.


وفي ما يتعلّق بالآثار السياسية للتوترات الحدودية، أشار الشريف إلى أنّها تؤثّر مباشرةً على الداخل اللبناني بثلاثة اتجاهات أساسية: استقطاب داخلي متجدّد حول طبيعة العلاقة مع سوريا، ما يزيد الانقسام حدّة مع "سوريا الجديدة" وما يرافقها من قراءاتٍ متناقضة للعهد السوري الحالي، ضغطٍ إضافي على مؤسسات الدولة إذ يُلقى عبء ضبط الحدود عمليًا على الجيش والأجهزة الأمنية وسط بطء القرار السياسي، بالإضافة إلى قابلية تدويل الملف عندما تتقاطع الحدود مع ضربات إسرائيلية أو شبكات تهريب عابرة للحدود، وهو برأيه ما يحوّل الملف إلى قضيةٍ إقليمية مرتبطة بسؤال السلاح والدور السوري الممكن أو الممتنع، مُعتَبِرًا أَنَّ الخطاب السوري الرسمي يذهب باتجاه أولوية ترميم الداخل السوري ولمّ الشمل قبل التورط في أدوارٍ أكبر.


وعن أبرز الملفات العالقة بين البلدين، لفت إلى أنّ الأولوية العملية تبدأ بترسيم الحدود البرية وتثبيت نقاط العبور، مع إنشاء آلية مشتركة لمعالجة أي خلافاتٍ ميدانية بسرعة قبل تضخمها، ثم معالجة المعابر غير الشرعية والتهريب، ليس كملفٍّ أمنيٍّ فقط بل باعتباره اقتصاد بَقِيَ يضرب الجمارك والمالية العامة ويشوه السوق، مُتَحَدِّثّا، أَيضًا، عَن ضرورة معالجة النازحين والعودة الذي يتجاوز الإغاثة إلى توازنات اجتماعية - اقتصادية وأمنية داخل لبنان، بالإضافة إلى التنسيق القضائي والأمني في قضايا المطلوبين والشبكات العابرة للحدود، مثل تزوير، تهريب، مخدرات، سلاح، وصولًا إلى تنظيم التعاون الاقتصادي المنظّم بين البلدين لما يمثله من مصلحة مشتركة ومصدر ربح، وذلك ضمن قواعد واضحة واتفاقات شفافة.


ورأى الشريف أنّ المرحلة الحالية تحمل إمكانية لتسويات جزئية ممكنة قريبًا في ملفاتٍ محددة لا تحتاج إلى قرار إقليمي كبير، مثل ضبط المعابر، بروتوكولات أمنية أو تنسيق جمركي محدود، بينما تبقى التسوية الشاملة صعبة ما دام الإقليم في حالة غليان وما دام لبنان يعيش هشاشة سياسية واقتصادية، ما يجعل منطق "إدارة الأزمة" يتقدم على منطق "حلّ الأزمة".


وفي ما يتعلق بكيفية حماية لبنان لمصالحه على الحدود مِن دُونِ تصعيد التوتر، شدّد على ضرورة اعتماد مسار تدريجي لترسيم الحدود بعيدًا عن الشعبوية والبدء بالمقاطع الأقل حساسية ثم الانتقال للأعقد، لتفادي الانفجار السياسي وتراكم الثقة. وقَالَ إِنَّ الخطوة التالية تكمن في تعزيز الضبط الرسمي للمعابر والتهريب عبر خطط ثابتة لا موسمية، إضافةً إلى إنشاء آلية اتصال لبنانية - سورية سريعة لتفكيك الحوادث قبل تضخمها أمنيًّا وإعلاميًّا وربط ضبط الحدود بالمصلحة الاقتصادية عبر مكافحة التهريب بوصفها حماية للسوق والمال العام لا مجرد شعار أمني، معتبرًا أنّ هذا الخطاب يوحّد بدل أن يقسّم.

فتور بين الشقيقتين.. متى تزول الغيمة السوداء؟
فتور بين الشقيقتين.. متى تزول الغيمة السوداء؟ - 1