في الذكرى الحادية والعشرين لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، أعادت حلقةٌ خاصة مع اللواء أشرف ريفي عبر منصّة "بالعربي"، مع الإعلامي ربيع ياسين، فتح واحدة من أكثر الصفحات حساسية في تلك المرحلة: التحذيرات الأمنية التي سبقت الاغتيال، كما يرويها ريفي، الذي أكّد أنّه لم يكن "شاهدًا من بعيد"، بل كان في قلب المشهد وعلى تماسّ مباشر مع الرئيس الحريري حتى الأيام الأخيرة.
وفي خلال الحوار، كشف ريفي أنّه نقل إلى الرئيس الحريري تحذيرين أمنيين مباشرين قبل الاغتيال: الأوّل في ليلة 24 كانون الأوّل/ديسمبر 2004 حين قال إنّ "في أجواء دمشق رائحة اغتيال" والثاني قبل الاغتيال بنحو أسبوعين عبر مصدرٍ آخر أكّد أنّ الخطر "قريب وغير بعيد". ويشير ريفي إلى أنّ ردّ الحريري في المرتين كان متشابهًا: اعتبار التهديد في إطار "التهويل" والتمسّك بقناعة مفادها بِأنّ لديه ضمانات عربية، دولية وأوروبية تجعل القيام بِخطوة بهذا الحجم "مكلِفًا جدًّا".
لكن ريفي شدّد، في المقابل، على أنّ طبيعة الأنظمة "التوتاليتارية"، بحسب وصفه، لا تقيس الأمور بمعايير "الكلفة السياسية" كما تفعل الدول العادية، مضيفًا أنّه قال للحريري حرفيًّا إنّ هذه الأنظمة "تحقّق غايتها ولو كلّفها ذلك كثيرًا… لكنّه سيكلّفنا أكثر"، في جملة تكرّرت أكثر من مرّة في سياق التحذير.
واستعاد ريفي بدايات علاقته بالحريري، موضحًا أنّها تطوّرت تدريجيًّا منذ أوائل التسعينيات، قبل أن يدخل في صلب العمل معه في العام 1994 عند تأسيس فرع "المعلومات" داخل قوى الأمن الداخلي، بناءً على توصية من الشهيد اللواء وسام الحسن، وفق ما قال.
ويروي ريفي أنّ العلاقة التي استمرّت نحو 11 عامًا اتّسمت بتواصل شبه يومي، وبلقاءات ثابتة "الإثنين، الأربعاء والجمعة"، مؤكّدًا أنّ الحريري كان "يصغي باحترام" ويمتلك قدرة استثنائية على إدارة النقاش وأنّ علاقتهما لم تشُبها "ولا شائبة" طوال تلك السنوات.
وفي سياق الحديث عن شخصية الحريري، توقّف ريفي عند مشاهد قال إنّها تختصر أسلوب الرجل في إدارة الملفّات: من إصراره على تقليل المخاطر في ملفّات حسّاسة، إلى تفضيله "دفع الأرخص" بالمال لتجنّب "الأغلى" بالدم، في إشارة إلى مقاربته لملف إعادة إعمار بيروت وإقفال ملفّات التهجير.
ومن أبرز ما كشفه ريفي في الحلقة تأكيده أنّه كان آخر زائرٍ للرئيس الحريري يوم الاغتيال وأنّ اللقاء دام قرابة 25 دقيقة في "قريطم"، قبل أن يغادر الحريري إلى مجلس النوّاب.
وقال ريفي إنّ الحديث في ذلك اللقاء اتّخذ طابعًا سياسيًّا وأمنيًّا، وكان فيه تقييمٌ للمرحلة والضغوط المحيطة، مشيرًا إلى أنّ الحريري بقي على هدوئه المعتاد ولم يُظهر أنّه يتصرّف كمن ينتظر "الأسوأ"، بل كان ماضيًا في مساره، مقتنعًا بأنّ التهديدات لا تتجاوز إطار التهويل.
أمّا عن يوم 14 شباط/فبراير 2005، فروى ريفي تفاصيل تلقّيه المعلومة الأولى عن أنّ المستهدف هو الرئيس الحريري أثناء وجوده في مناسبة تعزية، قبل أن يتوجّه إلى قريطم. ووصف شعوره في تلك اللحظات بأنّه صدمة و"فقدانٌ هائل"، قائلًا إنّه أدرك سريعًا أنّ البلاد تدخل مرحلة "أهوال" ستتجاوز وقع الاغتيال نفسه، مُشدِّدًا على أنّ لبنان لا يزال يدفع ثمنه حتى اليوم.
وفي مقاربة سياسية مباشرة، قدّم ريفي قراءة حاسمة لطبيعة القرار، معتبرًا أنّ قرار الاغتيال كان سوريًّا - إيرانيًّا وأنّ التنفيذ حَصَلَ عبر جهازٍ أمنيّ محترف، واضعًا الأَمِر ضمن سياق ما وصفه بمشروعٍ إقليمي يستهدف القيادات "السيادية" في لبنان.
كما تطرّق إلى محطّات من مرحلة "التطويق" السياسي والأمني التي سبقت الاغتيال وتبدّل المشهد بين عهدَي حافظ وبشّار الأسد وفق توصيفه، وصولًا إلى ما اعتبره محاولة منظّمة لإضعاف الحريري سياسيًّا ومعنويًّا قبل استهدافه جسديًّا.
وفي ختام الحلقة، خصّ ريفي الجيل الذي يبلغ اليوم 21 عامًا برسالة مفادها بِأَنَّ الحريري كان "نموذجًا استثنائيًّا" يجب قراءته كظاهرة سياسية، اقتصادية وشخصية، لا كحادثة اغتيالٍ فحسب، مُشيرًا إلى تجربة المنح التعليمية التي ذكر أنّها وصلت إلى نحو 34 ألف طالب وإلى فكرة "الفائض" الذي كان الحريري يضعه في خدمة لبنان.
وختم ريفي بكلمات قال إنّها موجّهة إلى الرئيس الشهيد: إنّ ما زرعه الحريري "لن يضيع"، وإنّ هناك من يحمل "رسالته وقضيّته" على الرَّغمِ مِن كلّ الكلفة، معبّرًا عن أملٍ بتكرار نماذج قيادية مشابهة تعيد بناء الدولة وتستعيد الأمان.
وتبقى الأسئلة التي طرحها الإعلامي ربيع ياسين في الحلقة - عن التحذير الذي قيل، عن القرار الذي اتُّخذ وعن الطريق الذي مضى فيه الحريري على الرَّغمِ مِن معرفته بالمخاطر - جزءًا من ذاكرة وطنٍ لا يزال يبحث عن الحقيقة، تحت عبارة تردّدت في الحوار أكثر من مرّة: "ما حدا أكبر من بلده".
اضغط على الرابط الآتي لمشاهدة الحلقة: