March 05, 2026   Beirut  °C
سياسة

عمار حوري يكشف كيف حوصِر مشروع رفيق الحريري حتى الاغتيال

لم تكن الذكرى الحادية والعشرون لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري محطةً عاطفية عابرة، بل لحظة مواجهة مفتوحة مع الأسئلة التي لا تَزَال بلا إجابات: أيّ دولة كان يريد؟ أيّ مسارٍ قُطع باغتياله؟ ولماذا لا يزال لبنان، بعد كل هذه السنوات، يبحث عن مشروعٍ يشبهه؟

فاستحضار رفيق الحريري لا يأتي من باب الحنين إلى زمنٍ مضى، بل من باب إعادة قراءة تجربةٍ وُلدت في زمنٍ صعب وحاولت أن تنقل لبنان من منطق التسويات الهشّة إلى منطق الدولة ومن إدارة الأزمات إلى بناء المؤسسات، قبل أن تتوقّف الرحلة فجأة في 14 شباط 2005.

في هذا السياق، خصّصت منصّة "بالعربي" حلقة خاصة من برنامج "رفيق الحريري… حكاية وطن"، حاور في خلالها الإعلامي ربيع ياسين النائب السابق عمار حوري، أحد رفاق درب الرئيس الشهيد، في شهادة طويلة أعادت فتح دفاتر التجربة من الداخل، سياسيًا وإنسانيًا، بعيدًا عن الخطاب المعلّب أو الذاكرة الانتقائية.

منذ اللحظة الأولى، وضع حوري توصيفًا حاسمًا لتجربة رفيق الحريري، مُعتَبِرًا أنّه "استثناء في السياسة وفي الزمن"، لا يمكن قياسه بالمعايير التقليدية، لا قبل اغتياله ولا بعده. فالرجل، بحسب حوري، أتى في لحظة كان فيها لبنان بأمسّ الحاجة إلى شخصية قادرة على إعادة وصل الداخل بالخارج وترميم الثقة العربية والدولية بالدولة اللبنانية.


ويضيف أنّ لبنان "لم يستفد كما يجب" من هذه التجربة، لا بسبب نقص في الرؤية أو القدرة، بل بفعل ظروف سياسية وأمنية خانقة انتهت بجريمة الاغتيال، التي لم تستهدف شخصًا فحسب، بل مسارًا كاملًا كان يمكن أن يغيّر وجه البلاد.


يستعيد حوري بدايات علاقته بالحريري في منتصف التسعينيات، يوم حضر الأخير لتقديم العزاء بوالده، قبل أن تتطوّر العلاقة تدريجيًا عبر محطات متعددة: العمل البلدي في بيروت، الشأن الاجتماعي، النشاط الرياضي واتحاد جمعيات العائلات البيروتية.


ويشير إلى أنّ العلاقة لم تُبنَ عبر قناة واحدة، بل عبر شبكة تفاعل واسعة، كان قاسمها المشترك ثقة الحريري بالكفاءات وتفضيله العمل بصمت بعيدًا عن الاستعراض، سواء في الشأن البلدي أو الاجتماعي أو الأكاديمي.


عند محطة انتخابات بلدية بيروت عام 1998، يتوقف حوري مطولًا عند هاجس الحريري الأساسي: المناصفة. ويؤكد أنّ الحريري رفض منطق الغلبة العددية، واعتبر أنّ بيروت، كعاصمة، يجب أن تكون مرآة العيش المشترك، لا ساحة كسر توازنات.


ويشرح أنّ هذا الخيار لم يكن ظرفيًا، بل امتدادًا لفهمٍ عميق لطبيعة لبنان، حيث الرمزية السياسية والثقافية تسبق الحساب العددي، وهو ما جعله يتمسّك بالمناصفة حتى في أصعب الظروف السياسية.


في ملف إعادة إعمار وسط بيروت، يرفض حوري الرواية التي تختصر التجربة بمعادلة "الحجر على حساب البشر"، معتبرًا أنّها "كذبة تاريخية". فالرجل الذي أعاد بناء وسط العاصمة، هو نفسه الذي موّل تعليم عشرات آلاف اللبنانيي، واستثمر في الإنسان كما في البنية التحتية.


ويرى أنّ خيار إعادة الإعمار الموحّد عبر "سوليدير" كان، على الرَّغمِ مِن ملاحظاته، البديل الوحيد عن الفوضى العمرانية أو بقاء وسط العاصمة ركامًا مفتوحًا، مشيرًا إلى أنّ المشروع حافظ على الطابع التراثي، كشف عن آثار تاريخية وجعل بيروت مجددًا نقطة جذب إقليمية.


يتوقف حوري عند علاقة الحريري الخاصة بجامعة بيروت العربية، حيث بدأ دراسته قبل أن تضطره الظروف إلى السفر والعمل. ويشرح كيف تحوّل هذا الارتباط إلى دعم فعلي، من توسيع الكليات، إلى حلّ أزمة الأرض المجاورة لسجن الرمل عبر مبادلة قانونية أنهت واحدة من أكثر المفارقات قسوة في المشهد العمراني.

ويؤكد أنّ دعم الحريري للجامعة لم يكن سياسيًا، بل نابعًا من إيمانه بالتعليم كمدخل أساسي لبناء الدولة.


عن المرحلة الأخيرة، يروي حوري لقاءاته المتكررة مع الحريري قبل أيام من اغتياله، مشيرًا إلى أنّ الأخير كان يدرك حجم المخاطر، لكنه لم يكن يتخيّل أن تصل الأمور إلى حد الاغتيال. ويستعيد عبارته الشهيرة: "كبروا عقلكم… تعرفوا شو يعني يقتلوا رفيق الحريري؟".


غير أنّ ما حَصل بعد ذلك أثبت، بحسب حوري، أنّ كل الضوابط سقطت، وأنّ اغتيال الحريري فتح "باب المجهول" على لبنان والمنطقة.


يصف حوري لحظة سماعه خبر الانفجار، ثم تأكّد الاغتيال، بأنها لحظة "ذهاب إلى المجهول"، معتبرًا أنّ جنازة 16 شباط لم تكن تشييع رجل، بل دفن أمل وطن. ويشير إلى أنّ الغضب الشعبي الذي انفجر لاحقًا لم يكن سياسيًا فحسب، بل تعبيرًا عن شعور جماعي بالخسارة.


في ختام شهادته، يطرح حوري السؤال الأكثر إيلامًا: أين كان لبنان لو لم يُغتل رفيق الحريري؟ ويجيب من دون تردّد: "كان ينافس دول المنطقة، وربما العالم، في الاقتصاد، البنى التحتية، التعليم والدور السياسي".


ويختم بالتأكيد أنّ الوفاء الحقيقي للحريري لا يكون في إحياء الذكرى، بل في إعادة الاعتبار لمشروع الدولة الذي اغتيل معه، لأنّ الرجل، كما يقول، "عرفه الجميع… من كانوا معه ومن كانوا ضده".


اضغط على الرابط الآتي لمشاهدة الحلقة: