March 05, 2026   Beirut  °C
سياسة

ريكاردو كرم يروي حكاية رفيق الحريري: من الحلم إلى الاغتيال

بعد واحدٍ وعشرين عامًا على اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لا يعود اسمه في الذاكرة اللبنانية كخبرٍ عابر، بل كغيابٍ ثقيل يتجدّد عند كل محطة ومع كل أزمة. فتحت منصّة "بالعربي" نافذةً على الذاكرة، وقدّمت ضمن برنامج "رفيق الحريري… حكاية وطن" حلقةً خاصة استضافت فيها الإعلامي ريكاردو كرم، في شهادةٍ خرجت من حدود المقابلة، لتلامس معنى الفقد، مسؤولية التذكّر وسؤال الوطن الذي لم يهدأ منذ الرابع عشر من شباط.

في حوارٍ قدّمه الإعلامي ربيع ياسين، تصاعد الحديث من الوجدان الشخصي إلى الوجدان العام، ومن سيرة رجلٍ إلى حكاية بلدٍ كامل، حيث بدا رفيق الحريري حاضرًا كفكرةٍ لم تُغتل، كصوتٍ يعود كلّما اشتدّ الانهيار وكحلمٍ مؤجَّل لا يَزَال اللبنانيون يبحثون عنه بين الركام.


روى كرم كيف تعرّف إلى رفيق الحريري بدايةً من موقع الإعلام والمتابعة، في لحظةٍ كان فيها لبنان يخرج من حربٍ مدمّرة ويبحث عن أملٍ جامع. بالنسبة إليه، كان الحريري عنوانًا لجيلٍ كاملٍ حلم بالنجاح والتغيير، ورأى في مشروع إعادة الإعمار نافذةً نحو المستقبل، على الرَّغمِ مِن كُلِّ الجدل الذي أحاط بتلك المرحلة.


وأوضح أنّ الحريري نجح في مخاطبة أجيال مختلفة، لا بلغة السلطة، بل بلغة الأمل، معتبرًا أنّ قيم النجاح التي بثّها في نفوس اللبنانيين شكّلت إحدى أهم بصماته، إذ "جعل الناس تؤمن أنّ النجاح ليس حكرًا على أحد".


في شهادته، توقّف كرم عند الجانب الإنساني للرئيس الشهيد، واصفًا إيّاه بالرجل الذي يُنصت أكثر ممّا يتكلّم، يُصغي للتفاصيل ويستقبل الآخرين بدافع الرغبة الحقيقية في الفهم. كما تحدّث عن روح الدعابة والعاطفة الجيّاشة التي لمسها فيه، وعن علاقته بعائلته، احترامه لزوجته، وفائه لأصدقائه وسخائه الذي "لا يشبه أحدًا".


ورفض كرم اختزال العلاقة مع الحريري بالمصالح أو المال، مؤكّدًا أنّه لم يكن يومًا من أهل "العلاقات الوصولية" وأنّ ما جمعه بالرئيس الشهيد كان قائمًا على الصدق والقيم، لا على المنفعة.


استعاد ريكاردو كرم تفاصيل تلقّيه خبر اغتيال رفيق الحريري في 14 شباط 2005، لحظةً بلحظة، من عودته من نيويورك إلى اهتزاز منزله تحت وقع الانفجار، وصولًا إلى الصدمة التي احتاج وقتًا طويلًا لاستيعابها. وروى عن لقائه الأخير بالشهيد باسل فليحان على متن الطائرة، في سردٍ إنساني مؤثّر عكس حجم المأساة والجرح الذي لا يزال مفتوحًا في الذاكرة اللبنانية.


وتحدّث كرم بإسهاب عن المقابلات التي قَامَ بِهَا مَع عائلة الحريري بعد الاغتيال، معتبرًا أنّ الثقة التي منحته إيّاها العائلة كانت ثمرة نزاهة مهنية ومصداقية. وأشار إلى أنّ اللبنانيين تعرّفوا إلى رفيق الحريري "الإنسان" من خلال عيون أولاده وزوجته، لا من خلال الصورة النمطية للزعيم القوي فقط.


كما وجّه نقدًا واضحًا لغياب الاستثمار الكافي في أرشفة إرث الحريري إعلاميًا، محذّرًا من ذاكرة قصيرة قد تختزل الرجل بتمثال أو اسم شارع، بدل مشروع وطني متكامل.


في خلاصة شهادته، وصف ريكاردو كرم رفيق الحريري بأنّه "ظاهرة لن تتكرّر"، رجلًا رؤيويًا، إنسانيًا، عابرًا للطوائف وصاحب شبكة علاقات عربية ودولية لم يشهد لبنان مثلها. ورأى أنّ كثيرًا من الانهيارات السياسية والاقتصادية التي عرفها لبنان ربما ما كانت لتقع لو بقي الحريري حاضرًا في المشهد.


وختم برسالة وجدانية إلى الرئيس الشهيد:

"لبنان يشتاق إليك، وبيروت تفتقدك. لو تأتي في المنام إلى أبنائك وتقول لهم: أنا ال أَزَال هنا… حافظوا على ما بُني".


بهذه الروح، جاءت الحلقة شهادةً إعلامية عالية القيمة، تؤكّد أنّ رفيق الحريري لم يكن مجرّد رجلٍ اغتيل، بل فكرة دولة ومشروع وطن، لا يزال اللبنانيون يعودون إليه كلّما اشتدّت الأزمات، بحثًا عن معنى ما خسروا.


اضغط على الرابط الآتي لمشاهدة الحلقة: